كُتاب الترند العربي

الفن.. وتطهر النفس

أيمن بدر كريم

للفنِّ مكانته العُظمَى في عزاء الإنسان. فالفنون الجميلة تأخذنا إلى بُعدٍ آخرَ خارج صخب الزَّمان وضوضاء المكان، إلى مساحة يصفو معها القلب، وتسكن معها الرُّوح. إنَّ الفنَّ يُخفِّف من وحشيَّة الواقع، ويعيد صياغته في معانٍ ساميةٍ تساعد على تحمُّل العيش فيه.

يرى (شوبنهاور) أنَّ تقدير الفنِّ والجَمَال، وبخاصَّة الموسيقى، يمنح الحريَّة من البؤس الفرديِّ، ويقول (نيتشه) عن الوظيفة الأساس للفنون الجميلة: “الفنُّ، ولا شيء غير الفنِّ.. لدينا الفنُّ كي لا نموت بسبب الحقيقة”. وفي الواقع، الفنُّ عزاؤنا الأكبر في الحياة، فهو يتيح تصريف المشاعر المكبوتة بصورةٍ رمزيَّةٍ آمنةٍ، بدل أنْ تتحوَّل إلى أعراضٍ جسديَّةٍ، أو نوباتٍ انفعاليَّةٍ، إنَّه -وفقًا للفيلسوف (ألبير كامو)- الصرخة التي تتمرَّد على العبث وتتحدَّاه، وتُحوِّله إلى صورةٍ جماليَّةٍ.

كان أرسطو متحمِّسًا لفكرة “تطهُّر” النَّفس، عن طريق الانغماس المؤقَّت في مشاهدة الفنون الدراميَّة التي تهيِّج المشاعر، ومنها مشاعر الحزن والشَّفقة والخوف، وهي التي تدفعنا حتى للبكاء، وهو -أي التطهُّر- أمرٌ مرغوبٌ فيه؛ لإعادة التوازن للنَّفس والمشاعر. فالفنون الجميلة تُسهم في تحويل الآلام والحزن إلى خيالٍ نشط، وتوازن عاطفيٍّ، وارتياح نفسيٍّ، وشفاء ذاتيٍّ.

الفنون الجميلة من ضرورات الحياة الإنسانيَّة؛ بها يتهذَّب الوجدان، وتتوازن النَّفس، وتتقوَّى الروابط الاجتماعيَّة. وكلَّما ازداد حضور الفن في حياة الفرد والمجتمع، ارتفعت القدرة على الفهم والتعاطف وتقدير الجَمَال، وانخفض منسوب الخشونة والقسوة في العلاقات اليوميَّة.

يُروَى أنَّ (العقَّاد) سُئِلَ مرَّة: هل الفنون الجميلة من ضرورات الحياة، أم هي كماليَّات تأتي بعد لُقمة العَيش؟، فأجاب: «الضرورات تُوكِلُنا بالأدْنَى من مراتب الحياة، أمَّا الذي يرفعنا إلى الأوج من طبقات الإنسان، فهو الفنونُ».

لا أشكًّ في أنَّ التوسُّع في إنشاء معاهد التَّمثيل والتَّصوير، والرَّسم والموسيقى، وصناعة الأفلام والمسرحيَّات، وتدريس فنونها في المدارس والجامعات، سيُسهم في تفريغ الطاقات المحتقنة، ومخاطبة الأحاسيس، والارتقاء بالذَّوق الإنسانيِّ. يقول الروائي الأمريكي (كورت فونيجت): “احتمِ بالفنِّ.. أنا لا أمزحُ على الإطلاق.. الفنُّ ليس وسيلةً لكسب العيش فقط.. بل إنَّه الطريقة الإنسانيَّة لجعل الحياة أكثر احتمالًا.. قُم بممارسة الفنِّ دون أنْ تهتم إنْ كنت تقوم بذلك بشكل جيد أو سيئ؛ الفنُّ هو الطريقة الصحيحة لجعل روحك تنمو وتزدهر”.

المصدر: المدينة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى