
لا تُقدم العسل إلا لمن يدرك قيمته
حسن آل عمير
يُبتلى الإنسان في حياته بكثرة الاحتكاك بالآخرين، واختلاف العقول والطباع والاتجاهات. ومن أكثر ما يستنزف النفس ويُضعف الروح الدخول في دوامة الجدال والعناد ومحاولات إقناع من لا يريد أن يقتنع. إن لكل عقل ما يشتهيه، ولكل نفس ما تميل إليه، وليس كل أحد مؤهلاً لتذوق الحق أو تقدير الجميل.
الجدال في أصله قد يكون وسيلة للفهم، لكنه حين يتحول إلى خصومة وعناد يصبح باباً للتوتر وضياع الوقت والطاقة. كثير من الناس لا يجادلون بحثاً عن الحقيقة، بل دفاعاً عن ذواتهم أو أفكارهم، حتى لو كانت خاطئة. وهنا يتحول الحوار من وسيلة بناء إلى ساحة صراع، يخرج منها الطرفان متعبين بلا فائدة حقيقية.
وقد وجه الإسلام من خطورة الجدال العقيم، فقال الله تعالى مخاطبا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( وجادلهم بالتي هي أحسن ).
فاشترط الإحسان والرفق، لا التحدي والاستفزاز. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ).
والمراء هو الجدال المذموم الذي لا يُقصد به الوصول للحق بل الانتصار للنفس. فالإسلام لا يمنع الحوار، لكنه ينهى عن الخصومة التي تفسد القلوب وتهدر الأعمار.
ومن سلبيات الجدال المستمر أنه يستهلك الطاقة النفسية والعقلية. الإنسان حين يجادل كثيراً يعيش في حالة شدّ داخلي، يتوتر، ينفعل، ويركز على الرد أكثر من الفهم. ومع الوقت يفقد صفاءه، وتضعف إنتاجيته، ويصبح أسيراً لإرضاء الآخرين أو كسرهم بالحجج والبراهين بدل أن يبني نفسه.
كذلك فإن محاولة إقناع كل الناس وهم كبير. ليس كل عقل مستعداً للتغيير، وليس كل قلب مفتوحاً للخير. بعض العقول ضيقة، وبعض النفوس سجينة للأهواء، ومهما قدمت من منطق فلن ترى إلا الرفض. وهنا تظهر الحكمة: احتفظ بطاقتك أيها الإنسان. فطاقتك أثمن من أن تُهدر في معارك لا ثمرة لها.
الحوار الجميل مختلف تماماً عن الجدال. الحوار يقوم على الاحترام، والإنصات، والهدوء، وقبول الاختلاف. فيه مساحة للنمو، لا للصراعات والمشاكل. أما الجدال فيقوم على رفع الصوت، وتصيد الأخطاء، والرغبة في الانتصار لا الوصول للحقيقة. لذلك كان من الحكمة أن يختار الإنسان متى يتكلم، ومع من يتكلم، ومتى يصمت بوعي وإدراك لأهمية الصمت.
كما أن الابتعاد عن أصحاب العقول الضيقة والأفكار السيئة ضرورة نفسية وتربوية. فالعقل يتأثر بالصحبة، والروح تضعف في البيئات السامة. ليس كل خلاف يستحق النقاش، وليس كل رأي يستحق الرد. أحياناً يكون التجاهل أبلغ من ألف عبارة وكلمة.
في النهاية، ليست القوة في كثرة الجدال، بل في حسن الحوار والجميل من القول.اختر معاركك بعناية، ووجّه طاقتك لما يبنيك لا لما يستنزفك. كن كالنحلة، وانشغل بصناعة العسل وترك الأثر ولا تقدم العسل إلا لمن يدرك قيمته.
المصدر: سب



