حميدتي.. الجنرال الذي غيّر معادلات القوة في السودان

الترند العربي – خاص
يُعد محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، أحد أبرز الشخصيات التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري في السودان خلال العقد الأخير، إذ جمع بين القوة المسلحة والتأثير السياسي في معادلة معقدة تمس مستقبل البلاد واستقرارها الإقليمي.
من قائد ميليشيا إلى شخصية سياسية مركزية لطالما ارتبط حميدتي بقوات الدعم السريع، القوة التي نشأت من رحم الصراع في دارفور ثم تحولت إلى مؤسسة عسكرية رسمية. خلال سنوات قليلة، صعد حميدتي من موقع القائد الميداني إلى موقع الرجل الثاني في السلطة الانتقالية بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019، مكرسًا لنفسه دورًا سياسيًا واسع التأثير. هذا الصعود السريع لم يكن محض صدفة، بل نتيجة لاستراتيجية محسوبة اعتمدت على تقديم قواته باعتبارها عامل استقرار في مرحلة الفوضى، مما أكسبه قبولًا لدى بعض القوى الدولية والإقليمية الباحثة عن طرف يمكن التعامل معه في السودان.
استراتيجية النفوذ عبر الاقتصاد والأمن لم يكتفِ حميدتي بالسيطرة العسكرية، بل امتد نفوذه إلى الاقتصاد الوطني من خلال شركات الذهب والتجارة. هذا التداخل بين المال والأمن جعل قوات الدعم السريع قوة ذات تمويل ذاتي واستقلالية عن المؤسسة التقليدية للجيش السوداني. تحوّل هذا الوضع إلى مصدر قلق داخلي ودولي، إذ أصبحت القوة الاقتصادية للدعم السريع عنصرًا موازنًا لقوة الجيش الرسمي، مما أوجد حالة من «الازدواجية السلطوية» داخل الدولة. واستثمر حميدتي هذه التركيبة ليُقدّم نفسه كرجل يمكنه ضمان استقرار السوق والأمن في وقت واحد.
خطاب سياسي متحوّل بين الواقعية والطموح منذ سقوط نظام البشير، تبنّى حميدتي خطابًا يوحي بالواقعية السياسية والانفتاح على الشراكات المدنية، إلا أن تحركاته العملية كشفت عن طموح يتجاوز حدود دوره العسكري. في خطاباته، كان يميل إلى تصوير قواته كجزء من حماية الثورة السودانية، لكنه في الوقت ذاته عمل على تعزيز موقعه التفاوضي في كل عملية سياسية، مستثمرًا نفوذه الميداني ورصيده القبلي الواسع في غرب البلاد.
العلاقات الإقليمية ودورها في تثبيت المكانة اعتمد حميدتي على شبكة علاقات إقليمية معقدة، خصوصًا مع قوى خليجية كانت تنظر إلى السودان كعمق استراتيجي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ساهم إرسال قوات الدعم السريع للمشاركة في التحالف في اليمن في تعزيز علاقته بمحاور إقليمية مؤثرة، وهو ما مكنه من الحصول على دعم مالي وسياسي ساعده في ترسيخ موقفه الداخلي. لكن هذه العلاقات لم تخلُ من الجدل، إذ رأت بعض النخب السودانية أن ارتباطه الخارجي يمثل تهديدًا لسيادة القرار الوطني.
العلاقة المتوترة مع الجيش السوداني أزمة العلاقة بين حميدتي والقيادة التقليدية للجيش، خصوصًا مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تحولت إلى صراع على الشرعية أكثر منه على السلاح. في بدايتها، جمع الرجلان هدف إسقاط النظام السابق وإدارة المرحلة الانتقالية، غير أن اختلاف الرؤى حول مستقبل الدمج بين الدعم السريع والجيش جعل التباين يتحول إلى مواجهة مباشرة. كان حميدتي يُدرك أن أي عملية دمج سريعة ستنهي استقلاليته العسكرية والمالية، لذلك تمسك بموقفه في الإبقاء على هيكل مستقـل لقواته ولو بشكل مؤقت، مما زاد من حدة الخلافات.
موقع القبيلة في معادلة القوة تُشكل الخلفية القبلية لحميدتي عنصرًا مركزيًا في مساره السياسي. فهو يعتمد على شبكات اجتماعية وأمنية من إقليم دارفور تمثل قاعدة دعمه الأساسية. هذه الروابط القبلية أدت إلى نشوء كيانات محلية تدين بالولاء لقواته وتعتبرها حامية لمصالحها، ما جعل الدعم السريع ليس مجرد قوة عسكرية بل منظومة نفوذ اجتماعي واقتصادي ممتدة. بهذا المعنى، أعاد حميدتي تعريف علاقة القبيلة بالدولة، حيث تحولت من مركز مطالبة بالحقوق إلى شريك في معادلة الحكم.
التحولات في صورته الدولية رغم الاتهامات التي لاحقته بالتورط في انتهاكات فترة دارفور، عرف حميدتي كيف يعيد تقديم نفسه دوليًا كشريك محتمل في عملية الانتقال السياسي، مستخدمًا خطابًا يتحدث عن محاربة الفساد وتطبيق العدالة الانتقالية ودعم المدنيين. لكن الأداء الميداني لقواته في السنوات الأخيرة، لا سيما خلال النزاع المسلح الأخير في الخرطوم ومناطق أخرى، أعاد الجدل حول مدى التزامه بخطاب الإصلاح الذي تبناه علنًا.
قراءة في تكتيكاته السياسية عند تحليل أسلوب حميدتي في التعامل مع خصومه وحلفائه، يظهر أنه يجيد استخدام الزمن كأداة ضغط. فهو يفضل التفاوض الطويل وإعادة ترتيب الأوراق على المدى البعيد بدلاً من المواجهة المباشرة السريعة. هذا النمط منحَه قدرة على المناورة، إذ يبدو في نظر بعض القوى الدولية شخصية يمكن التعامل معها لأنها «براغماتية» وقابلة للتفاهم، بينما يعتبره خصومه محركًا للأزمات بقرارات محسوبة تهدف لإعادة رسم التوازنات الداخلية.
الأبعاد الاقتصادية للصراع لم يكن الصراع بين حميدتي والجيش مسألة سياسية فقط، بل اقتصاديًا بامتياز. فمصادر التمويل التي تمتلكها قوات الدعم السريع من مناجم الذهب والمناطق التجارية تمثل قاعدة مالية ضخمة يمكن تحويلها إلى نفوذ سياسي. من منظور تحليلي، فإن قدرة الدعم السريع على تمويل عملياته دون اعتماد كامل على ميزانية الدولة تمثل معضلة للحكومة المركزية، لأنها تخلق مركز قرار مالي موازٍ لمؤسسات الدولة.
موقع حميدتي في المستقبل السياسي للسودان مع تصاعد الصراع المسلح داخل السودان، أصبح موقع حميدتي مرهونًا بقدرته على ترجمة القوة العسكرية إلى شرعية سياسية قابلة للاستمرار. التحدي الحقيقي أمامه يتمثل في كيفية الانتقال من دور الفاعل الأمني إلى شريك سياسي يعترف به الداخل والخارج. وفي حال فشل في ذلك، فإن نفوذه مرشح للتحول من مصدر قوة إلى عبء يهدد بقاءه على الساحة.
السيناريوهات المحتملة لدوره القادم في قراءة مستقبلية، يمكن حصر سيناريوهات حميدتي في ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار المواجهة المسلحة وتثبيت واقع جديد بالقوة، أو الدخول في تسوية سياسية تَدمج قواته ضمن جيش موحّد مع ضمانات لحماية مصالحه، أو الانكفاء التدريجي وفقدان النفوذ نتيجة الضغوط المحلية والدولية. كل مسار يعتمد على توازنات القوى الميدانية وقدرة الطرفين على التكيف مع متغيرات الإقليم والداخل.
دور المجتمع الدولي في تشكيل مستقبل الأزمة لا يمكن فصل دور حميدتي عن المواقف الدولية المتنافسة بشأن السودان. فالدول الكبرى تنظر للصراع الداخلي بعيون مصالحها في الموارد والموقع الجغرافي والحدود مع شرق إفريقيا. تحركات حميدتي تجاه الانفتاح على قوى متعددة تمثل محاولة لتفادي العزلة، إلا أن هذا الانفتاح قد يتحول إلى سلاح ذي حدين إذا اعتُبر تجاوزًا لسيادة الدولة أو تحديًا لحكومة مركزية ضعيفة.
انعكاسات الصراع على المجتمع السوداني القتال المستمر بين الجيش والدعم السريع أدخل السودان في مرحلة استنزاف شاملة. فالمواطن العادي أصبح بين مطرقة النزاعات ومطرقة الأزمة الاقتصادية. تنامي دور حميدتي في المشهد العام جعل مواقفه سواء في التصعيد أو التهدئة ذات تأثير مباشر على حياة الملايين، ما جعل قراراته ليست شأناً عسكريًا محضًا بل شأنًا وطنيًا يمس الأمن والمعيشة والهوية الوطنية.
التحولات في الخطاب الإعلامي حول حميدتي وسائل الإعلام المحلية والدولية تتعامل مع شخصية حميدتي بوصفها لغزًا سياسيًا وعسكريًا. بين من يراه زعيمًا ميدانيًا يحاول حماية نفوذ مناطقه، ومن يعتبره لاعبًا يسعى لبناء سلطته الخاصة. خطاباته الأخيرة ركزت على فكرة الدولة المدنية والسلام، لكن هذا الخطاب يواجه تحديًا في المصداقية نتيجة التناقض بين الكلمات والممارسات الميدانية.
القراءة الختامية.. حميدتي كمعيار لتحولات السودان أياً كانت مآلات الصراع، يبقى حميدتي مؤشرًا لفهم طبيعة التحولات في السودان. فصعوده يعكس أزمة مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على احتكار العنف المنظم، كما يعكس في الوقت ذاته قدرة الفرد على توظيف البيئة السياسية المرتبكة لتحقيق موقع قيادي في فترة انتقالية مضطربة. السؤال الذي يواجه النخبة السودانية اليوم هو: هل يمكن استعادة مركزية الدولة في ظل وجود قوى بحجم الدعم السريع؟ هذه الإشكالية تمثل التحدي الأكبر لمستقبل السودان السياسي والاجتماعي.
أسئلة شائعة ما هو الدور الحالي لحميدتي في الصراع السوداني؟ يقود قوات الدعم السريع في مواجهة مفتوحة مع الجيش السوداني، مؤكدًا أنه يدافع عن التحول المدني، بينما يرى خصومه أنه يسعى لتكريس سلطة موازية. هل يملك حميدتي قاعدة دعم خارجية؟ نعم، لديه علاقات مع بعض الدول الإقليمية التي استفادت من شراكته في ملفات أمنية واقتصادية، إلا أن هذه العلاقات تواجه تحديات مع تغير التحالفات. هل يمكن أن يلعب حميدتي دورًا سياسيًا في المستقبل؟ الاحتمال قائم، لكنه مرهون بقدرته على إثبات أنه يمثل مشروعًا سياسيًا قابلًا للتطبيق وليس مجرد قوة عسكرية تبحث عن نفوذ. هل يمكن دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني؟ الدمج يظل هدفًا معلنًا في العملية السياسية، لكن تفاصيله التقنية والسياسية لا تزال محل خلاف واسع، وهو أحد أسباب استمرار الصراع.



