صيام الجوارح.. فلسفة الكف لا الجوع
محمود عبدالراضي
تفصلنا أيام معدودات عن ضيف يحل بالقلوب قبل البيوت، وبينما ينهمك الكثيرون في ترتيب الموائد وحساب ساعات الانقطاع عن الطعام والشراب، يغفل البعض عن جوهر “الحمية الروحية” التي هي أصل الحكاية.
الصيام في حقيقته ليس مجرد “امتناع مؤقت” عن الأكل والشرب، بل هو ثورة سلمية تقودها الروح ضد استبداد المعاصي، ومحاولة جادة لاسترداد إنسانية الإنسان التي نهشتها صراعات الحياة اليومية.
إن الفخ الذي يسقط فيه البعض هو قصر الصيام على المعدة، بينما تظل الألسن حادة في النميمة، والقلوب غارقة في مستنقعات الحقد والحسد، والأيدي ممتدة للتعدي على حقوق الآخرين.
هنا يبرز التساؤل الجوهري: ما فائدة إمساك الفم عن “شربة ماء” بينما هو ينهش في أعراض الناس بالغيبة؟ إن الصوم الحقيقي هو “كف” لا مجرد “وقف”، هو كف البصر عن الحرام، وكف القلب عن الظلم، وكف النفس عن الأذى.
تأمل معي كيف يمكن للصيام أن يكون حالة من “الارتقاء والسمو”؛ فهو عملية تنقية لشوائب النفس وتصفية لكدر الضمير.
حين تنجح في ترويض غضبك، وتلجم لسانك عن كلمة جارحة، وتطهر صدرك من غل قديم، فأنت هنا تمارس “السيادة” بمعناها الحقيقي.
هذا السمو الروحي ينعكس بالتبعية على الحالة المزاجية، حيث تصفو النفس وتتحرر من ضغوط “الأنا” المتضخمة، لتدخل في حالة من السلام الداخلي الذي لا تمنحه أشهى الموائد.
لذا، فالدعوة الآن ليست لانتظار هلال رمضان لبدء التغيير، بل هي دعوة لـ “بروفة” روحية من الآن، درب نفسك على أن تكون “صائماً” عن الرذيلة قبل أن تصوم عن الفضيلة، تمرن على أن يكون صمتك فكراً، ونطقك ذكراً، ونظرك عبرة.
اجعل من الأيام القليلة المتبقية معسكراً تدريبياً لتهذيب الطباع، حتى إذا ما أهل الهلال، وجدت نفسك مستعداً لخوض التجربة بعمق مختلف، بعيداً عن صيام العادة الذي لا يورث إلا الجوع والعطش.
إن استحقاق “العلامة الكاملة” في مدرسة رمضان لا يُمنح لمن جاعت أمعاؤهم فقط، بل لمن ارتقت أرواحهم، فصاروا أكثر رحمة بالخلق وأشد ورعاً عن أذى الغير.
اجعل صيامك هذا العام رحلة انتقال من “ضيق المادة” إلى “سعة الروح”، فالحياة أقصر من أن نقضيها في مخاصمة السماء بذنوبنا، بينما ندعي التقرب إليها بجوعنا.
المصدر: اليوم السابع



