حين يهدأ الضوء لتتكلم السماء.. العُلا تفرض قواعد جديدة لحماية الليل والبيئة
الترند العربي – متابعات
في خطوة تعكس تحوّلًا نوعيًا في فهم العلاقة بين التنمية وحماية البيئة، تواصل الهيئة الملكية لمحافظة العُلا تنفيذ منظومة تنظيمية شاملة للإضاءة الخارجية، تستهدف الحد من التلوث الضوئي، وصون المشهد الليلي الطبيعي، والحفاظ على الخصوصية البيئية والتراثية لإحدى أهم الوجهات الثقافية والطبيعية في المملكة، ضمن رؤية طويلة المدى تضع الإنسان والطبيعة في قلب التخطيط العمراني.
التلوث الضوئي من ظاهرة حضرية إلى تحدٍ بيئي
لم يعد التلوث الضوئي مجرّد مسألة جمالية أو تقنية، بل بات يُصنّف عالميًا كأحد التحديات البيئية المؤثرة على النظم الطبيعية، وصحة الإنسان، وسلوك الكائنات الحية، وهو ما دفع الهيئة الملكية لمحافظة العُلا إلى التعامل معه بوصفه أولوية تخطيطية لا تقل أهمية عن المياه أو الهواء أو التربة.

العُلا وخصوصية المشهد الليلي
تتميّز العُلا بسماء ليلية استثنائية تُعد من الأوضح عالميًا، ما يجعلها بيئة مثالية لرصد النجوم والظواهر الفلكية، وركيزة أساسية للسياحة البيئية والثقافية، الأمر الذي فرض ضرورة حماية هذا المورد الطبيعي النادر من التشويه الناتج عن الإضاءة العشوائية أو المفرطة.
معايير فنية دقيقة تحكم الضوء
اعتمدت الهيئة الملكية مجموعة من المعايير الفنية الصارمة التي تراعي الطابع الجغرافي والبيئي للعُلا، وفي مقدمتها استخدام إضاءة دافئة لا تتجاوز 2700 كلفن، بما يحد من الانبعاثات الزرقاء الضارة التي تؤثر على الساعة البيولوجية للكائنات الحية وتشوّه صفاء السماء.

تحديد الشدة ومنع التعدي الضوئي
تشمل المعايير تنظيم مستويات وشدة الإضاءة، ومنع الإضاءة الصاعدة أو المتعدية خارج حدود المواقع، لضمان توجيه الضوء نحو الحاجة الفعلية فقط، وتقليل الانعكاسات غير الضرورية التي ترفع مستوى التلوث الضوئي دون أي فائدة وظيفية.
حماية الحياة الفطرية من الضوء
تُعد الحياة البرية في العُلا، بما فيها الطيور والزواحف والحشرات الليلية، من أكثر العناصر تأثرًا بالإضاءة غير المنضبطة، حيث تؤدي الإضاءة القوية إلى اضطراب أنماط الهجرة والتكاثر والتغذية، وهو ما دفع الهيئة إلى جعل حماية الكائنات الحية أحد المحاور الرئيسية في تنظيم الإضاءة.

تقنيات عالية الكفاءة لترشيد الطاقة
شجّعت المعايير الجديدة على استخدام مصابيح LED ذات كفاءة عالية، بفاعلية لا تقل عن 120 لومن لكل واط، مع مؤشر تجسيد لوني لا يقل عن 80، بما يضمن إضاءة واضحة ومريحة بصريًا، مع خفض استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية.
الإضاءة بوصفها أداة تصميم لا عنصر إزعاج
تنظر الهيئة الملكية للإضاءة باعتبارها جزءًا من التصميم العمراني والهوية البصرية، لا مجرد وسيلة إنارة، حيث تُستخدم لإبراز الملامح المعمارية والتراثية دون طغيان أو تشويه، وبما يحافظ على الطابع التاريخي الفريد للعُلا.
تقسيم العُلا إلى مناطق إضاءة متعددة
راعى التنظيم الجديد تنوّع مناطق العُلا واختلاف أنشطتها، عبر تقسيمها إلى مناطق إضاءة ذات ضوابط مرنة، تتفاوت بحسب حساسية البيئة الليلية، بين المناطق الطبيعية شديدة الحساسية، والمناطق السكنية، والمناطق السياحية والخدمية.

مرونة تنظيمية تراعي النشاط البشري
لا تهدف المعايير إلى تقييد الأنشطة الإنسانية أو السياحية، بل إلى تحقيق توازن ذكي بين الاحتياج البشري للإضاءة، ومتطلبات حماية البيئة، بما يسمح بالحركة الآمنة والنشاط الاقتصادي دون الإضرار بالمشهد الليلي.
الهوية التراثية في قلب التنظيم
تحرص الهيئة على أن تنسجم الإضاءة الخارجية مع الهوية التراثية للعُلا، سواء في القرى التاريخية أو المواقع الأثرية، من خلال تجنّب الإضاءة البيضاء القاسية، والاعتماد على تدرجات ضوئية تحاكي الإضاءة الطبيعية القديمة.
مرحلة توعوية قبل التطبيق الصارم
أكدت الهيئة أن المرحلة الحالية تركز على التوعية وبناء الفهم المشترك لدى السكان والمستثمرين والمشغّلين، باعتبارهم شركاء في حماية العُلا، قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تنظيمًا في التطبيق والمتابعة.
الشراكة المجتمعية أساس النجاح
تراهن الهيئة على وعي المجتمع المحلي والزوار بأهمية الحفاظ على البيئة الليلية، وترسيخ مفهوم المسؤولية المشتركة، باعتبار أن حماية العُلا ليست مهمة جهة رسمية فقط، بل التزام جماعي تجاه إرث طبيعي وثقافي فريد.
انعكاسات إيجابية على جودة الحياة
يسهم تنظيم الإضاءة في تحسين جودة النوم، وتقليل الإجهاد البصري، ورفع مستوى الراحة النفسية للسكان والزوار، إضافة إلى تعزيز الإحساس بالهدوء والانسجام مع الطبيعة.
دعم السياحة الفلكية والبيئية
تمثل السماء الصافية أحد أعمدة السياحة البيئية في العُلا، حيث تفتح المجال لتجارب فلكية وثقافية نوعية، ويُعد تنظيم الإضاءة خطوة محورية لتعزيز هذا النوع من السياحة المستدامة.
العُلا كنموذج وطني وعالمي
تعكس هذه الخطوة مكانة العُلا كنموذج وطني متقدم في التخطيط البيئي، وقد تفتح الباب لتطبيق تجارب مماثلة في مناطق أخرى بالمملكة، ضمن توجه أوسع لحماية الموارد الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة.
انسجام مع رؤية السعودية 2030
يندرج تنظيم الإضاءة الخارجية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تضع الاستدامة البيئية وجودة الحياة في صميم مشاريعها، وتسعى إلى بناء مدن متوازنة تحترم الإنسان والطبيعة معًا.
دعوة للاطلاع والالتزام
دعت الهيئة الملكية لمحافظة العُلا المهتمين والمستثمرين والمصممين إلى الاطلاع على الإرشادات والمعايير عبر قنواتها الرسمية، والالتزام بها في جميع المشاريع الحالية والمستقبلية.
حماية الليل بوصفه ثروة وطنية
في العُلا، لم يعد الليل مجرد وقت للراحة، بل ثروة طبيعية وثقافية يجب حمايتها، لتظل السماء مرآة للتاريخ، وشاهدًا على انسجام الإنسان مع بيئته.
ما الهدف من تنظيم الإضاءة في العُلا؟
الحد من التلوث الضوئي، وحماية المشهد الليلي، والحفاظ على البيئة والحياة الفطرية والهوية التراثية.
ما درجة حرارة الإضاءة المعتمدة؟
لا تتجاوز 2700 كلفن، وهي إضاءة دافئة أقل تأثيرًا على البيئة.
هل التنظيم يشمل جميع المناطق؟
نعم، مع تقسيم العُلا إلى مناطق إضاءة مختلفة حسب حساسية البيئة والنشاط.
هل هناك اشتراطات تقنية محددة؟
نعم، تشمل استخدام مصابيح LED عالية الكفاءة ومؤشر تجسيد لوني مناسب.
هل ستُطبق المعايير فورًا؟
المرحلة الحالية توعوية، مع بناء التزام تدريجي بالشراكة مع المجتمع.
اقرأ أيضًا: نفق تحت المدينة يقود إلى الملايين.. سرقة بنكية تهز ألمانيا في عملية توصف بالتاريخية

