سياسة

ميونيخ تهتز بربع مليون متظاهر إيراني.. والمعارضة تختبر “وحدة الخارج” في لحظة ضغط دولي

الترند بالعربي – متابعات

تحت سماءٍ باردة في مدينة ميونيخ، وبين زخمٍ أمني وسياسي يرافق انعقاد مؤتمر ميونيخ للأمن، خرجت حشود إيرانية ضخمة إلى الشوارع لتوجيه رسالة مباشرة إلى طهران، في تظاهرة وُصفت بأنها الأوسع من نوعها في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، إذ تحدثت تقديرات عن وصول العدد إلى ربع مليون مشارك، في مشهدٍ بدا أقرب إلى استعراض قوةٍ رمزي للمعارضة في الخارج، لكنه في الوقت نفسه أعاد فتح الأسئلة القديمة حول ما يمكن أن يحققه الشارع خارج الحدود، وكيف يمكن تحويل الغضب إلى مشروع سياسي قادر على المنافسة، لا مجرد موجة احتجاجية تنتهي بصدى إعلامي.

الرقم الكبير.. بين تقديرات الشرطة وروايات المنظمين
تعددت الروايات حول حجم المشاركة منذ الساعات الأولى، وهو أمر مألوف في تظاهرات بهذا الحجم، إذ يتغير الرقم مع تدفق الحشود، وتختلف منهجيات القياس بين الجهات الرسمية والمنظمين ووسائل الإعلام، لكن الثابت أن المدينة شهدت كتلة بشرية هائلة رفعت سقف الرسالة السياسية إلى أقصى حد، وأظهرت قدرة الجاليات الإيرانية في أوروبا على الحشد السريع حين تلتقي المناسبة الرمزية مع اللحظة السياسية المناسبة، خصوصًا مع تزامن الحدث مع مؤتمر أمني دولي يحضره قادة وصناع قرار من دول عدة.

شعارات “إسقاط النظام”.. الغضب يتقدم على التفاصيل
في قلب التجمّع علت هتافات تطالب بإسقاط النظام، وبرز خطاب حقوقي يهاجم القمع والاعتقالات ويستحضر موجات الاحتجاج الأخيرة داخل إيران، وبين الأعلام واللافتات والرموز السياسية المتباينة، بدت الرسالة الأساسية واحدة، لا تسوية مع ما يصفه المشاركون بالاستبداد، ولا صبر على استمرار العنف، ولا قبول بأن يتحول ملف حقوق الإنسان إلى تفصيل ثانوي داخل حسابات الدول الكبرى، وهي نبرة تعكس انتقال جزء من المعارضة من مطلب “الإصلاح” إلى مطلب “التغيير الكامل” بوصفه الطريق الوحيد.

توقيت محسوب.. حين يتحول مؤتمر ميونيخ للأمن إلى منصة رسائل
اختيار التوقيت لم يكن بريئًا، فالتظاهرة جاءت على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، أحد أبرز المنتديات الدولية التي تُناقش ملفات الحرب والسلم وموازين القوى، ما يمنح أي حراكٍ على مقربته معنى مختلفًا، لأن الرسالة لا تُرسل إلى طهران فقط، بل تُرسل أيضًا إلى العواصم الغربية الحاضرة في المؤتمر، وكأن المتظاهرين يقولون إن النقاش حول إيران لا ينبغي أن يُختزل في البرنامج النووي أو توازنات الإقليم، بل يجب أن يبدأ من الداخل، من قضية الحرية والشرعية والحقوق.

ميونيخ.. مدينة ألمانية في قلب نزاع إقليمي ممتد
تحولت ميونيخ لساعات إلى مساحة مواجهة رمزية بين روايتين، رواية معارضة تريد تدويل الملف الإيراني عبر الظهور أمام عدسات العالم في لحظة تجمع دولي، ورواية رسمية إيرانية ترى في مثل هذه الحشود “تسييسًا” للمنابر الدولية، ومع أن التظاهرة جرت خارج إيران، فإن ظلال الداخل كانت حاضرة في كل تفصيلة، من الحديث عن الاعتقالات إلى ذكر ضحايا الاحتجاجات، إلى استحضار الخوف من اتساع العنف إذا ظل العالم يكتفي بالتعبير عن القلق دون فعل.

رضا بهلوي في الواجهة.. خطاب يوحّد اللحظة ويُظهر الانقسام
برز رضا بهلوي بوصفه أحد الوجوه الأكثر حضورًا في هذه التظاهرة، مع خطابٍ يركز على الحريات والديمقراطية ووحدة الأراضي والفصل بين الدين والسياسة، وهو خطاب يسعى إلى تقديم “قواسم مشتركة” بدل الدخول في تفاصيل الهوية السياسية المستقبلية، لكن المفارقة أن صعود أي رمز بعينه يفتح الباب مجددًا لجدل الشرعية داخل المعارضة ذاتها، لأن جزءًا من التيارات المعارضة لا يزال يتحسس من رمزية “حقبة الشاه”، فيما يفضّل آخرون التعامل معه كورقة توحيد ظرفية لا أكثر.

أطياف متباينة في ساحة واحدة.. هل هي وحدة فعلية أم هدنة قصيرة
المشهد اللافت كان اجتماع تيارات متباعدة أيديولوجيًا داخل ساحة واحدة، وهو أمر نادر تاريخيًا في المعارضة الإيرانية بالخارج، إذ لطالما تنازعت المجموعات على سردية الماضي وخريطة المستقبل، لكن ضغط اللحظة صنع نوعًا من “هدنة” ميدانية، فالتحدي الأكبر الآن لم يعد القدرة على التجمع، بل القدرة على الاستمرار، لأن التحدي السياسي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الهتاف، حين تُطرح أسئلة القيادة والبرنامج والتمثيل والتواصل مع الداخل.

التظاهرة كأداة ضغط.. ماذا تريد المعارضة من الغرب تحديدًا
ظهر بوضوح أن جزءًا معتبرًا من الرسالة موجّه للغرب، ليس فقط لطلب التضامن، بل لدفعه إلى تغيير مقاربته، فالمعارضة تريد عقوبات أشد، وحماية أكبر لحقوق الإنسان، وتضييقًا على شبكات القمع، وبعض الأصوات تريد ما هو أبعد من ذلك عبر تدخلات أو إجراءات قسرية، وهي نقطة شديدة الحساسية لأنها قد تمنح طهران حجة جاهزة لوصف المعارضة بأنها “أداة خارجية”، كما قد تُضعف إجماعًا دوليًا محتملًا إذا تحولت المطالب إلى خيارات صدامية لا تحظى بقبول واسع.

رد طهران.. عباس عراقجي وعبارة “سيرك ميونيخ”
في المقابل، جاء رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حادًا في توصيفه للمشهد، إذ اعتبر أن مؤتمر ميونيخ يتحول إلى “سيرك” عندما يتعلق الأمر بإيران، منتقدًا ما وصفه بتسييس المؤتمر وارتباك الموقف الأوروبي وعدم قدرته على فهم ما يجري داخل إيران، في خطاب يعكس حساسية طهران من أي محاولة لنقل ملفها الداخلي إلى مساحات النقاش الدولي، كما يكشف رغبتها في ربط التظاهرات بالخلافات الجيوسياسية الأوسع بدل التعامل معها كاحتجاج حقوقي بحت.

بين حقوق الإنسان والجيوسياسة.. لماذا يصعب فصل الملفين
الاحتجاج في ميونيخ لم يكن “حقوقيًا” فقط، لأن إيران اليوم موجودة في قلب ملفات كبرى، من السجالات حول البرنامج النووي، إلى التوتر مع أوروبا، إلى ارتباطات إقليمية وحضور في نزاعات، وهو ما يجعل من الصعب على الغرب التعامل مع الداخل الإيراني بمعزل عن الحسابات الأمنية، بينما ترى المعارضة أن هذا الخلط المستمر هو سبب “تأجيل الحرية” لصالح “إدارة المخاطر”، وأن هذا النهج يمنح النظام وقتًا إضافيًا لترميم نفسه.

مؤتمر الأمن كمرآة.. من يربح رواية “الشرعية” أمام العالم
تزامن التظاهرة مع مؤتمر دولي كبير يخلق منافسة على الرواية، فمن جهة تريد المعارضة أن تقول إنها تمثل “صوت الشعب”، ومن جهة تريد طهران أن تقول إن خصومها يفتقرون للتفويض ويتكئون على المنابر الخارجية، وبين الروايتين يقف المجتمع الدولي محكومًا ببراغماتيته، فهو يتعامل مع الدول لا مع المجموعات، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل صورة مئات الآلاف في الشوارع، لأن السياسة الحديثة تتأثر بالصورة بقدر ما تتأثر بالوثائق.

الأرقام والقصص.. كيف تُستخدم بيانات الضحايا في معركة التأثير
جزء كبير من التعبئة يعتمد على الحديث عن أعداد الضحايا والاعتقالات خلال موجات الاحتجاج الأخيرة، وهذه النقطة شديدة الأهمية لأنها تتحول إلى دليل اتهام أخلاقي، لكنها أيضًا تتحول إلى ساحة جدل حول دقة الأرقام ومصادرها، وفي معارك الرأي العام عادة تُستخدم الأرقام كوقود للتأثير، لذلك تحرص المعارضة على تضخيم صورة الكلفة البشرية، بينما تحاول طهران التشكيك في المصادر أو إعادة تفسير الأحداث، ليصبح الصراع على “حقيقة ما جرى” جزءًا من الصراع على “من يملك حق الحديث باسم إيران”.

لماذا أوروبا تحديدًا.. وما الذي تغيّر في مزاج العواصم
تزايد الاحتجاج الإيراني في أوروبا خلال الأعوام الأخيرة يرتبط بعوامل عدة، أهمها توسع الجاليات، وتحوّل بعض العواصم الأوروبية إلى ساحات نشاط سياسي وإعلامي، إضافة إلى شعور متنامٍ بأن أوروبا ليست بعيدة عن تداعيات الملف الإيراني، سواء عبر ملف الهجرة أو أمن الطاقة أو التوترات المرتبطة بالإقليم، لذلك ترى المعارضة أن الضغط في أوروبا قد يكون أكثر تأثيرًا من الضغط في أماكن أخرى، لأن أوروبا تُصنَّف لاعبًا سياسيًا واقتصاديًا قادرًا على اتخاذ خطوات ملموسة.

الاختبار الأكبر.. هل تستطيع المعارضة تحويل الحشد إلى تنظيم
الحشد الكبير يمنح طاقة معنوية، لكنه لا يضمن مسارًا سياسيًا ناجحًا، فالفرق شاسع بين أن تجمع الناس على شعار عام مثل “الحرية” وبين أن تجمعهم على تفاصيل عملية مثل شكل المرحلة الانتقالية، وهيكلة الدولة، وضمانات الأقليات، وإدارة الاقتصاد، وعلاقة الدين بالدولة، وهذه الملفات عادة تُفجر الانقسامات، لذلك فإن اختبار المعارضة الحقيقي يبدأ الآن، هل تستطيع خلق إطار تنسيقي يضم المختلفين دون ابتلاع بعضهم لبعض، وهل تستطيع بناء خطاب لا يكتفي بإدانة النظام بل يقدم بديلًا يمكن تخيله.

الداخل الإيراني.. العامل الحاسم الذي لا يملكه الخارج
مهما ارتفعت أصوات الخارج، يبقى الداخل هو معيار الحسم، لأن التغيير لا يحدث بالهتاف خارج الحدود، بل بتوازن قوى داخلي يتغير على الأرض، والمعارضة في الخارج تعرف ذلك، لكنها تراهن على أن الضغط الخارجي يساهم في إضعاف أدوات القمع، أو يفتح نافذة دعم دولي، أو يمنح المحتجين في الداخل شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم، ومع ذلك يظل السؤال الأهم، هل يترجم الداخل هذا الزخم إلى موجة جديدة، أم تبتلعها القبضة الأمنية وتتحول التظاهرات الخارجية إلى طقسٍ متكرر دون نتيجة.

التظاهرات العالمية المتزامنة.. محاولة صناعة “يوم دولي” لإيران
تزامن احتجاج ميونيخ مع تحركات في مدن أخرى حول العالم يعكس محاولة لخلق “يوم دولي” يتكرر ويضغط إعلاميًا وسياسيًا، وهو نموذج استخدمته حركات معارضة كثيرة تاريخيًا لإبقاء القضية حيّة في الإعلام، لكن نجاحه يتوقف على عنصرين، الاستمرارية ثم القدرة على إنتاج إنجازات صغيرة قابلة للقياس، لأن الرأي العام العالمي سريع الملل، وما لا يتجدد يتحول إلى خبر عابر مهما كان حجمه.

لماذا تتسع الفجوة بين الشعار والنتيجة.. درس السياسة من الشارع
الشارع يرفع الشعار الأعلى دائمًا، لكن السياسة تتطلب مسارات طويلة ومفاوضات وتحالفات، وهذه الفجوة تفسر لماذا قد تتحول التظاهرة، مهما كانت ضخمة، إلى مجرد لحظة إن لم تُدعّم بعمل مؤسسي، ولهذا تُحاول بعض مجموعات المعارضة الاستثمار في “الصورة” لتوليد “شرعية” ثم تحويلها إلى نفوذ، لكن هذا التحويل صعب، لأن الشرعية في السياسة الدولية لا تُمنح بسهولة لمن لا يملك دولة أو أرضًا أو مؤسسات.

المحصلة حتى الآن.. رسالة قوية وأسئلة أصعب من الإجابات
ما حدث في ميونيخ يرسل رسالة لا يمكن تجاهلها حول اتساع الغضب الإيراني في الخارج، وحول قدرة الجاليات على الضغط عبر الفضاء الأوروبي، لكنه في الوقت نفسه يعيد طرح السؤال القديم، من يقود، ومن يمثل، وكيف يلتقي الخارج مع الداخل دون أن يتحول إلى عبء عليه، وبينما تتبادل طهران والمعارضة الاتهامات حول “التمثيل”، يبقى الواقع أن الأزمة السياسية الإيرانية باتت حاضرة على منصات العالم، وأن محاولة دفنها داخل حدود الدولة تبدو أصعب كل يوم.

الأسئلة الشائعة
ما سبب خروج تظاهرة ضخمة في ميونيخ ضد طهران
للتنديد بالسلطات الإيرانية والمطالبة بتغيير سياسي، مع إبراز ملف حقوق الإنسان والاعتقالات والقمع، واستثمار وجود مؤتمر ميونيخ للأمن لإيصال الرسالة للعالم.

هل كان عدد المشاركين فعلاً ربع مليون شخص
تعددت التقديرات خلال اليوم، لكن تقارير متعددة أشارت إلى أرقام كبيرة جدًا وصلت في ذروتها إلى ربع مليون وفق روايات إعلامية وتقديرات متداولة.

من هو رضا بهلوي ولماذا كان حضوره لافتًا
هو نجل شاه إيران السابق ويُعد من أبرز رموز المعارضة في الخارج، وظهر بخطاب يركز على مبادئ مثل الحريات والديمقراطية والفصل بين الدين والسياسة، ما جعله محورًا للحدث لدى جزء من المشاركين.

كيف ردت طهران على التظاهرة وأجواء مؤتمر ميونيخ
صدر موقف سياسي وإعلامي ينتقد المؤتمر وما اعتبرته طهران تسييسًا للمنابر الدولية، وبرز توصيف “سيرك ميونيخ” في تصريحات منسوبة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

هل توحّدت المعارضة الإيرانية بالفعل في هذه التظاهرة
اجتمعت أطياف متباينة داخل ساحة واحدة وهو أمر لافت، لكن تحويل هذه اللحظة إلى وحدة سياسية مستدامة يظل تحديًا كبيرًا بسبب اختلاف الرؤى والبرامج وتاريخ الانقسامات.

ما الذي قد يغيّر المعادلة فعليًا بعد مثل هذه التظاهرات
العامل الحاسم يبقى في الداخل الإيراني، مع قدرة القوى الاجتماعية والسياسية على التنظيم والتواصل، وتحوّل الضغط الخارجي إلى إجراءات دولية ملموسة دون أن يمنح طهران ذريعة لتخوين الخصوم أو تشديد القمع.

اقرأ أيضًا: صعود السوق السعودية ينعش أداء البورصات الخليجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى