من الفشل المتكرر إلى علامة بـ100 مليون دولار.. كيف صنع مؤسس «فيلو» طريقه للنجاح؟
الترند بالعربي – متابعات
في وقتٍ تتصاعد فيه الأسئلة حول جدوى التعليم الجامعي، ويزداد فيه الشك لدى أجيال شابة تجاه المسارات التقليدية للوظائف، تبرز قصة مؤسس شركة «فيلو» كحالة استثنائية تعيد الاعتبار لفكرة أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته الحقيقية. قصة لا تبدأ بالنجاح ولا بالتمويل ولا بالشهرة، بل بسلسلة طويلة من الرفض، والتجريب، والبحث عن معنى للعمل، قبل أن تتحول إلى واحدة من أنجح العلامات التجارية الصاعدة في عالم أدوات القهوة المتخصصة، بقيمة تجاوزت 100 مليون دولار.
هذه القصة لا تتعلق فقط بريادة الأعمال، بل تكشف تحولات أعمق في سوق العمل، وفي علاقة الأفراد بالتعليم، وفي معنى الشغف، وفي قدرة الإصرار على تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع عالمي.
التشكيك في التعليم العالي.. وسياق عالمي مضطرب
يشهد التعليم العالي عالميًا مرحلة مراجعة غير مسبوقة، خصوصًا في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تشير استطلاعات حديثة إلى أن أكثر من ثلث خريجي جيل «زد» يرون أن شهاداتهم الجامعية كانت «إهدارًا للمال». هذا التشكيك لم يأتِ من فراغ، بل من اضطراب سوق العمل، وتسارع التحول الرقمي، وتراجع الضمانات الوظيفية التقليدية.
وسط هذا المشهد، تبرز جامعات قليلة ما زالت تُعد منصات انطلاق حقيقية للمشاريع الريادية، وفي مقدمتها جامعة ستانفورد، التي خرج من رحمها مؤسسو شركات غيّرت وجه الاقتصاد العالمي، من جوجل وباي بال إلى سناب شات، وصولًا إلى شركات أحدث مثل «فيلو».
من ستانفورد إلى فكرة وُلدت من القهوة
أثناء دراسة ماجستير إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد، كان جاك ميلر، مؤسس «فيلو»، يعيش نمط حياة مألوفًا لطلاب الدراسات العليا: ضغط دراسي، ساعات طويلة من العمل، واستهلاك مرتفع للكافيين. لكن وسط هذا الروتين، بدأ يلاحظ مفارقة لافتة.
القهوة نفسها تتطور بسرعة هائلة، من حيث التحميص والجودة والتنوع، بينما أدوات تحضير القهوة المنزلية بقيت بدائية، ثقيلة، وغير جذابة من حيث التصميم أو الوظيفة. من هنا وُلد السؤال الذي غيّر مسار حياته: لماذا لا تكون أدوات تحضير القهوة أنيقة، عملية، ومتعددة الاستخدام؟
تحولت الفكرة تدريجيًا إلى تصور لمنتج واحد بسيط، يصلح لتحضير القهوة الساخنة والباردة، ويُعامل كقطعة تصميم لا مجرد أداة مطبخ. لكن ما بدا فكرة واعدة في أروقة الجامعة، اصطدم لاحقًا بواقع قاسٍ في سوق الاستثمار.

73 رفضًا.. عندما يصبح الفشل اختبارًا للنية
نجح ميلر في إطلاق أول منتجاته عبر منصة كيكستارتر، محققًا تمويلًا أوليًا منح المشروع دفعة معنوية. لكن هذه البداية لم تكن كافية لإقناع المستثمرين المؤسسيين. على مدار فترة قصيرة، تلقى 73 رفضًا من مستثمرين أفراد وصناديق صغيرة.
الرفض لم يكن تقنيًا فقط، بل شمل تشكيكًا في السوق نفسه. أدوات القهوة؟ سوق محدود. التصميم؟ مخاطرة. المنافسة؟ شرسة. بالنسبة لكثيرين، كان هذا العدد من الرفض كافيًا لإنهاء الحلم، لكن بالنسبة لميلر، كان الأمر مختلفًا.
يقول لاحقًا إن كل رفض كان يؤكد له شيئًا واحدًا: إذا لم يكن هناك من يؤمن بالفكرة الآن، فهذا يعني أن السوق لم يرَ المستقبل بعد، وليس أن الفكرة خاطئة.
المثابرة كعقلية.. ثم كنموذج عمل
مع الوقت، تحولت المثابرة من سمة شخصية إلى فلسفة تشغيلية داخل «فيلو». لم يعد الهدف إقناع المستثمرين فقط، بل بناء منتج لا يمكن تجاهله. تم التركيز على التصميم الدقيق، وتجربة المستخدم، وجودة التصنيع، حتى أصبحت منتجات «فيلو» تتميز بوضوح وسط سوق مزدحم.
توسعت الشركة تدريجيًا من منتج واحد إلى مجموعة كاملة تشمل غلايات ذكية، مطاحن قهوة، أدوات تحضير، وإكسسوارات صُممت بعناية لتخاطب شريحة محبي القهوة المختصة. هذا التوسع لم يكن سريعًا، لكنه كان مدروسًا، ما ساعد على بناء هوية قوية للعلامة.
مسار مهني متعرج قبل الريادة
قصة ميلر لا تبدأ في ستانفورد. نشأ في ولاية مينيسوتا، وبدأ منذ مراهقته بمحاولات بسيطة لكسب المال، من بيع القمصان إلى نسخ الأقراص الموسيقية. بعد دراسة التسويق، دخل في حالة من الضياع المهني تشبه ما يمر به كثير من الشباب اليوم.
جرّب العمل في ترميم المنازل والإنشاءات، وحقق نجاحًا ماديًا مبكرًا، لكنه انسحب بعد أقل من عامين، ليس بسبب الفشل، بل بسبب غياب الشغف. هذا القرار شكّل نقطة تحول، إذ بدأ يبحث عن عمل يمنحه دافعًا يتجاوز الراتب.
اللحظة الفارقة في عالم القهوة
التحول الحقيقي جاء عندما التحق بالعمل في سلسلة مقاهي «كاريبو كوفي». هناك، لمس عن قرب الفجوة بين تطور القهوة كمادة استهلاكية، وتخلف الأدوات المستخدمة في تحضيرها منزليًا. هذه التجربة أعادت صياغة رؤيته المهنية، ورسّخت لديه سؤالًا محوريًا: هل هذا العمل يجعلني أستيقظ كل صباح بحماس؟
الإجابة كانت نعم، ومنها بدأت تتشكل ملامح «فيلو».
الاختراق التجاري والانتقال إلى السوق الواسع
بعد سنوات من التطوير والصبر، بدأت «فيلو» تحصد ثمار استراتيجيتها. دخلت منتجاتها إلى متاجر كبرى مثل تارجت، وكوسكو، ونوردستورم، ما منح العلامة انتشارًا واسعًا خارج دائرة المتخصصين. هذا الانتقال لم يُفقد الشركة هويتها، بل عزز مكانتها كجسر بين القهوة المختصة والسوق الاستهلاكية الأوسع.
تمويل بـ30 مليون دولار وتثبيت الأقدام
التحول الأكبر جاء مع نجاح الشركة في جمع تمويل بقيمة 30 مليون دولار، بدعم مستثمرين بارزين. هذا التمويل لم يكن مجرد ضخ أموال، بل اعتراف متأخر بقيمة الرؤية التي رُفضت عشرات المرات سابقًا.
اليوم، تتخذ «فيلو» من سان فرانسيسكو مقرًا لها، وتوظف أكثر من 100 شخص، وتُقدّر قيمتها بأكثر من 100 مليون دولار، في مسار تصاعدي يعكس نضج النموذج لا اندفاعه.
الشغف كقاسم مشترك مع كبار القادة
قصة مؤسس «فيلو» تتقاطع مع فلسفة يؤمن بها كبار قادة الأعمال حول العالم: الشغف ليس رفاهية، بل شرط للاستمرار. من راي داليو إلى وارن بافيت، تتكرر الفكرة ذاتها: النجاح طويل الأمد لا يُبنى على المال وحده، بل على الرغبة الصادقة في العمل.
كما عبّر أحد التنفيذيين الأمريكيين مؤخرًا: أحب عملي لدرجة أنني أقفز من السرير كل صباح، وهي العبارة التي تختصر جوهر رحلة ميلر المهنية.
دروس تتجاوز ريادة الأعمال
ما تقدمه هذه القصة لا يقتصر على عالم الشركات الناشئة، بل يفتح نقاشًا أوسع حول معنى الفشل، ودور التعليم، وأهمية التجربة، وقدرة الإصرار على تحويل الرفض إلى طاقة دافعة. «فيلو» لم تنجح لأنها حصلت على تمويل مبكر، بل لأنها صمدت طويلًا دون تمويل.
من هو مؤسس شركة «فيلو»؟
جاك ميلر، رائد أعمال أمريكي وخريج ماجستير إدارة الأعمال من جامعة ستانفورد.
كيف بدأت فكرة شركة «فيلو»؟
بدأت الفكرة أثناء دراسة المؤسس في ستانفورد، نتيجة ملاحظة فجوة بين تطور القهوة وتخلف أدوات تحضيرها المنزلية.
كم عدد مرات رفض تمويل الشركة؟
تلقى المؤسس 73 رفضًا من مستثمرين قبل نجاح الشركة في جمع تمويل مؤسسي.
ما قيمة شركة «فيلو» حاليًا؟
تجاوزت قيمة الشركة 100 مليون دولار وفق تقديرات حديثة.
ما الدرس الأهم من قصة «فيلو»؟
أن الفشل المتكرر لا يعني خطأ الفكرة، بل قد يعني أن السوق لم يفهمها بعد، وأن الشغف والمثابرة عنصران حاسمَان في النجاح طويل الأمد.
اقرأ أيضًا: البحرين تتصدر العالم في كثافة دور العبادة وتدخل موسوعة «غينيس» برقم قياسي غير مسبوق



