كُتاب الترند العربيعمر غازي

الصحافة الخوارزمية.. عندما تختار الآلة ما يجب أن يعرفه الجمهور

عمر غازي

في عام 2024 نشر معهد “Reuters Institute” في جامعة “Oxford” تقريره السنوي “Digital News Report” الذي شمل عشرات الدول وأكثر من 90 ألف مشارك، وأظهر أن نحو 30% من المستخدمين حول العالم يحصلون على الأخبار عبر خوارزميات التوصية داخل المنصات الرقمية أو محركات البحث بدل زيارة المواقع الإخبارية مباشرة، لم يكن الرقم مجرد تغير في عادات التصفح، بل إشارة إلى تحول عميق في طريقة وصول المعلومات إلى الجمهور، فالأخبار التي يراها المستخدم لم تعد نتيجة اختيار واعٍ يقوم به القارئ، بل نتيجة أنظمة خوارزمية تحدد أي الأخبار تظهر أولًا وأيها يبقى في الظل.

على مدى قرن تقريبًا كانت المؤسسات الصحفية هي التي تحدد ترتيب الأخبار وأهميتها، من الصفحة الأولى في الصحف المطبوعة إلى النشرات الرئيسية في القنوات التلفزيونية، وكان هذا الترتيب جزءًا من وظيفة التحرير الصحفي، لكن مع انتقال جزء كبير من الاستهلاك الإخباري إلى البيئة الرقمية بدأت خوارزميات التوصية تلعب دورًا متزايدًا في تحديد ما يصل إلى الجمهور من معلومات.

تشير دراسة نشرتها جامعة “Northwestern” عام 2023 حول استهلاك الأخبار الرقمية إلى أن نسبة متزايدة من المستخدمين لا تصل إلى الأخبار عبر الصفحة الرئيسية للمؤسسات الصحفية، بل عبر الروابط المقترحة في المنصات أو عبر نتائج البحث، أي أن الخوارزميات أصبحت في كثير من الأحيان البوابة الأولى التي يمر عبرها الخبر قبل أن يصل إلى القارئ.

هذا التحول لا يعني اختفاء دور الصحفيين في إنتاج الأخبار، لكنه يغير موقعهم داخل سلسلة تدفق المعلومات، فبينما يكتب الصحفي الخبر ويحرره، تصبح الخوارزمية مسؤولة عن ترتيب ظهوره وتوقيت عرضه للجمهور، ومع ملايين الأخبار التي تُنشر يوميًا يصبح هذا الترتيب عاملًا حاسمًا في تحديد أي القصص تحصل على الانتباه وأيها تمر دون أن يلاحظها أحد.

أظهرت دراسة أجرتها جامعة “Columbia” عام 2022 حول انتشار الأخبار على الإنترنت أن القصص التي تتصدر تدفقات المنصات الرقمية تحصل على معدل قراءة أعلى بكثير من القصص التي تظهر في مواقع متأخرة، حتى عندما يكون محتواها متشابهًا في الأهمية، أي أن ترتيب الخبر قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من الخبر نفسه، لأن الجمهور يتفاعل غالبًا مع ما يظهر أمامه أولًا.

في هذا السياق بدأ بعض الباحثين يتحدثون عن ما يسمى “الصحافة الخوارزمية”، وهو مصطلح يشير إلى الدور المتزايد الذي تلعبه الأنظمة الرقمية في تحديد شكل تدفق الأخبار وترتيبها، فبدل أن يكون المحرر هو الوحيد الذي يقرر ما يجب أن يراه الجمهور، أصبحت الخوارزميات تشارك فعليًا في هذا القرار عبر تحليل سلوك المستخدمين وأنماط التفاعل السابقة.

تعمل هذه الأنظمة عادة عبر تحليل مجموعة كبيرة من البيانات مثل تاريخ القراءة، والموضوعات التي يتفاعل معها المستخدم، ومدة بقائه في الصفحة، ثم تستخدم هذه المعلومات لتقديم محتوى يُتوقع أن يثير اهتمامه، لكن هذه الآلية قد تؤدي أيضًا إلى عرض مجموعة محدودة من الموضوعات المتشابهة، لأن الخوارزمية تميل إلى تعزيز ما ثبت أنه يجذب الانتباه في الماضي.

تشير تحليلات شركة “Chartbeat” المتخصصة في تحليل سلوك القراء إلى أن متوسط الزمن الذي يقضيه المستخدم في قراءة خبر واحد على الإنترنت يقل غالبًا عن دقيقة واحدة، ما يعني أن ترتيب الأخبار وطريقة عرضها أصبحا عاملين حاسمين في تحديد ما ينجح في جذب انتباه الجمهور في هذا الزمن القصير.

ومع تطور تقنيات “الذكاء الاصطناعي” بدأت بعض المؤسسات الإعلامية تستخدم أنظمة قادرة على تحليل البيانات الضخمة واقتراح موضوعات إخبارية أو حتى كتابة مسودات أولية للأخبار، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة قد يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا من عملية الإنتاج الإخباري نفسها، لا مجرد أداة لتنظيم المحتوى.

في هذا السياق قد نشهد خلال السنوات القادمة تحولًا أعمق في طبيعة الصحافة الرقمية، حيث تتداخل الأدوار بين الصحفيين والأنظمة الخوارزمية، فيكتب الصحفي الخبر، بينما تقرر الخوارزمية متى يظهر ولمن يظهر وبأي ترتيب، وربما أيضًا أي صيغة من العنوان تجذب أكبر قدر من الانتباه.

هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المجال العام، فإذا كانت الخوارزميات أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في تحديد ما يصل إلى الجمهور من معلومات، فإن ترتيب الأخبار قد يصبح عاملًا مؤثرًا في تشكيل النقاش العام بقدر ما هو مؤثر في توزيع الانتباه.

ويبقى السؤال مطروحًا، إذا كانت الخوارزميات أصبحت تشارك فعليًا في اختيار ما يراه الجمهور من أخبار، فهل نشهد في المستقبل صحافة رقمية يصبح فيها ترتيب الخبر بيد الخوارزمية بقدر ما هو بيد الصحفي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى