
الذاكرة الانتقائية في عصر “الخوارزميات”.. كيف يصنع الترتيب الرقمي النسيان العام؟
عمر غازي
في عام 2018 نشرت دورية “Proceedings of the National Academy of Sciences” دراسة للباحث “Chris Bail” وفريقه اختبرت أثر تعريض مستخدمين على منصة “Twitter” التي أصبحت تُعرف اليوم باسم “X” لآراء سياسية مخالفة لتوجهاتهم، وقد افترضت الدراسة أن الاحتكاك المنهجي بالرأي المختلف قد يخفف حدة الاستقطاب، لكن النتائج أظهرت أن التعرض المكثف لخطاب الطرف الآخر لم يقلل التشدد، بل عززه لدى بعض المشاركين، لم تكن المفارقة في السلوك السياسي وحده، بل في البيئة التي يحدث فيها هذا السلوك، بيئة يُعاد فيها ترتيب ما نراه باستمرار، فتبدو بعض الأصوات أعلى من غيرها، لا لأنها أكثر منطقًا، بل لأنها أكثر حضورًا وتكرارًا، ومع الحضور يتشكل الانطباع، ومع الانطباع تتكون الذاكرة.
في العام نفسه تقريبًا تصاعد الجدل حول دور المنصات في تشكيل المجال العام بعد فضيحة “Cambridge Analytica” المرتبطة ببيانات مستخدمي “Facebook”، إذ كشفت التحقيقات أن البيانات لم تكن تُجمع لأغراض إحصائية فحسب، بل لتحليل السمات النفسية والسلوكية بهدف توجيه رسائل مخصصة بدقة عالية، وهنا لم يعد المستخدم يتلقى محتوى عامًا، بل محتوى مصممًا ليناسب ملفه الشخصي، ما يعني أن الواقع المعروض له ليس هو نفسه الواقع المعروض لغيره، ومع تكرار هذا النمط تتشكل عوالم متوازية من الإدراك، لكل فرد نسخته الخاصة من الحدث، ونسخته الخاصة من الذاكرة.
حللت دراسة من جامعة “Stanford” عام 2021 سلوك التصفح لدى آلاف المستخدمين، فوجدت أن أكثر من 70% من التفاعل يتركز في المحتوى الذي يظهر ضمن أول دفعات العرض، بينما ينخفض احتمال التفاعل بصورة حادة كلما تراجع المحتوى إلى الأسفل، في حين أظهرت أبحاث من جامعة “Harvard” أن الأسبقية في العرض تخلق انطباعًا ضمنيًا بالأهمية، حتى لو لم يكن هناك تفوق موضوعي في الجودة أو الدقة، وهنا يتحول الترتيب من أداة تنظيم إلى أداة ترجيح، ومن ترجيح إلى آلية تراكمية تصنع ذاكرة جماعية منحازة لما ظهر أولًا، لا لما كان أعمق أثرًا.
نحن لا نعيش زمن قلة الإنتاج، بل زمن فائضه، تشير تقارير رقمية حديثة إلى أن مئات الملايين من المنشورات تُنشر يوميًا عبر المنصات، ومع ذلك حين نستعيد أحداث أسبوع واحد فقط، نجد أننا نتذكر عددًا محدودًا من القصص والوجوه، ليس لأن غيرها لم يُكتب، بل لأنه لم يُعرض بما يكفي، فالخوارزمية لا تمنعك من البحث، لكنها تحدد لك ما تراه قبل أن تبحث، تعيد ترتيب التدفق بحيث يبدو لك المشهد مكتملًا، بينما هو في الحقيقة مقتطع من سياق أوسع بكثير، ومع التكرار يتحول الجزء إلى كل، ويتحول الغياب إلى نسيان.
النسيان الرقمي إذن ليس نتيجة ضعف الإنتاج أو غياب الأفكار، بل نتيجة ترتيب، ترتيب يعيد ضخ محتوى بعينه حتى يترسخ، ويُهمل آخر حتى يتلاشى، وبينما نظن أننا نختار بحرية من قائمة مفتوحة، نحن في الحقيقة نختار من قائمة مُرتبة سلفًا، قائمة تشبه قائمة طعام في مطعم اعتدناه، نبدّل الأصناف داخله، لكننا نادرًا ما نغادره إلى مطعم آخر، رغم أن المدينة مليئة بخيارات لا تقل جودة وربما تفوقه تنوعًا.
حين نُسأل بعد سنوات عن أبرز أحداث مرحلة ما، سنستدعي على الأرجح ما تكرر أمامنا أكثر، لا ما كان أكثر أهمية في الواقع، لأن التكرار يصنع ألفة، والألفة تخلق شعورًا بالمعرفة، ومعرفة متوهمة كهذه قد تكون أخطر من الجهل الصريح، إذ تمنحنا يقينًا مبنيًا على عرض انتقائي، لا على صورة مكتملة، ومع تعاظم دور “الخوارزميات” في ترتيب الأخبار والآراء والمنتجات وحتى العلاقات، يصبح السؤال عن الذاكرة سؤالًا عن السلطة، سلطة من يملك ترتيب المشهد.
ويبقى السؤال مطروحًا، إذا كان ما لا يُعرض لا يدخل الذاكرة العامة، فهل سنشهد مستقبلًا يُكتب فيه التاريخ وفق منطق الترتيب الرقمي لا وفق وزن الوقائع ذاتها؟



