كُتاب الترند العربي

روشتة الطمأنينة

محمود عبدالراضى

هل استقر في وعيك يومًا مكنون قوله عز وجل: “لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ”؟ إنها دعوة نبيلة لفك الارتباط بـ “سجن الحسرة”، وتحرير النفس من “قيد الندامة”؛ فالحياة ليست سباقاً محموماً مع الزمن، بل هي “مواقيت” مضروبة في لوح محفوظ.

فاعلم يقينًا أن سعي الرزق سيوافيك في “أوانه”، وميثاق الزواج سيعقد في “أوانه”، وبشرى الذرية ستطرق بابك في “أوانها”؛ فلا تستعجل ثمرة قبل نضجها، ولا تطلب قطافاً قبل أوانه.

إن الحكمة تقتضي أن تدرك أن ما فاتك لم يكن ليلحق بك، وما اخترته لم يكن بوسعك أن تهجره؛ فلو طُويت لك أستار الزمن، ونُشرت أمامك حبال الخيارات، لما وجدت لنفسك مستقرًا خيرًا مما أنت فيه الآن.

أنت اليوم تقف في “المكان” الذي هندسه لك القدر، وتتلبس بـ “الهيئة” التي أرادها لك خالقك، فكل انكسار مررت به كان “جبراً” مستتراً، وكل باب أُغصد في وجهك كان “فتحاً” لآخر ينتظرك.

إن الانغماس في ندم “الفائت” هو الحماقة الكبرى، وتضييع “الآن” في ندب “الأمس” هو اغتيال متعمد للعمر.

إن هؤلاء الذين يشيدون في خيالهم “قصوراً بديلة” وسيناريوهات وهمية، يظنون فيها أن مساراً آخر كان سيجعل حالهم “أفضل”، هم في الحقيقة يتجرعون سم الجهل؛ فالكمال لا يكمن في “لو” التي تفتح عمل الشيطان، بل في “الحمد” التي تفتح أبواب الرضا.

فلتسترح أرواحكم من وعثاء التفكير، ولتهدأ قلوبكم من ضجيج التمني؛ فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.

هي قسمة عادلة من حكيم خبير، جعل “المنع” عين “العطاء”، و”التأخير” محض “اللطف”، فنم قرير العين ببرد اليقين، فمن سلّم الزمام لرب العباد، لم يعرف لقلبه طريقاً للشتات.

المصدر: اليوم السابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى