
كيف يسمعونه !!
بدر محمد الغامدي
في عالم يمتلئ بالكلمات، يبقى السر الحقيقي للتأثير ليس فيما نقوله، بل في الطريقة التي تصل بها رسائلنا إلى قلوب الآخرين. فالكلمة لا تصل وحدها؛ بل تصل محمّلة بنبرة صوتك، وبشعورك، وبنيّتك التي تسبق عبارتك، حتى وإن لم تقلها بصوت عالٍ. الناس لا يسمعون جُمَلك كما تخرج منك، بل كما يترجمها إحساسهم لحظة سريانها في آذانهم.
قد تقول عبارة بسيطة تبدو لك واضحة، لكنها عند الآخرين تتحول إلى شعور مختلف تماما. فالتواصل ليس تبادل كلمات فقط، بل تبادل مشاعر، بل أحيانا تبادل أرواح. العقل العاطفي لدى الإنسان يسبق العقل المنطقي بخطوات واسعة، ولذلك يصل الشعور قبل أن يكتمل الفهم. ولهذا قد تُربك نبرة واحدة متوترة رسالة كاملة، بينما تُصلح ابتسامة صادقة ما تعجز عنه عشرات الجمل المنمّقة.
إن جمال التواصل يكمن في قدرتنا على أن نُشعر الآخرين بأنهم مسموعون، وأن حديثنا معهم ليس لإثبات رأي أو انتصار فكرة، بل للاقتراب منهم. فالكلمة التي لا توقظ شعورا، ولا تمنح طمأنينة، ولا تحمل احتراما، تبقى جملة فارغة مهما بدت صحيحة. الناس لا يحتفظون بما قلته، بل بما جعلتهم يشعرون به، ولا يتذكرون ترتيب كلماتك، بل أثرها فيهم. و لنا في رسول أسوة حسنة في ذلك.
ولكي يصبح كلامنا أكثر وصولًا، يكفي أن نفكر في المشاعر التي نريد أن نتركها في الطرف الآخر قبل أن نفكر في صياغة الجملة. أن نُخفّض لهجة الحكم، ونرفع مساحة التفهّم. أن نستمع بقلوبنا أكثر مما نتحدث بألسنتنا. فالتواصل الحقيقي ليس ضوضاء كلمات، بل سكون فهم، ودفء حضور، ونيّة صادقة تُسمَع حتى وإن لم تُنطق.
همست في نفسي وقلت: وحتى نعيد اكتشاف قيمة الكلمة، علينا أن ندرك أن الرسالة لا تعيش في ألفاظنا، بل في قلوب من يسمعونها. قد تنسى ما قلتَه، وقد ينساه الآخرون، لكنهم لن ينسوا كيف شعروا حين استمعوا إليك. ولهذا — في كل علاقة، وفي كل حوار، ومع كل إنسان — يبقى القانون ذاته:
ليس المهم ما تقوله… بل كيف يسمعونه
المصدر: سبق



