
القُرآنُ فى رمضانَ.. ربيعُ القلوبِ وشفاءُ الصدورِ
د. محمد عبدالرحمن الضوينى
إنَّ من أعظمِ نِعَمِ اللهِ على الأُمَّةِ الإسلاميةِ أن خصَّها بشهرِ رمضانَ، وجعلَه موسمًا لتجديدِ الإيمانِ، وميدانًا لتطهيرِ القلوبِ، ومحرابًا يتجلّى فيه سلطانُ القُرآنِ فى النفوسِ حياةً وهدايةً وإصلاحًا. وفى هذا السياقِ تتأكّدُ الحاجةُ إلى استحضارِ منزلةِ القُرآنِ فى هذا الشهرِ الكريمِ، بوصفِه ربيعَ القلوبِ وشفاءَ الصدورِ، ومنهجَ النهضةِ للأفرادِ والمجتمعاتِ.
ففى عالمٍ تتعاظمُ فيه الأزماتُ الفكريةُ والأخلاقيةُ والإنسانيةُ، عالمٍ يموجُ بالتحدِّياتِ والصراعاتِ، ويُعانى من أزماتِ القِيَمِ، واضطرابِ المعاييرِ، تتجدَّدُ الحاجةُ إلى أن نلتفَّ حولَ القُرآنِ الكريمِ، باعتبارِه منهجًا يُفعَّلُ، وقيمًا تُحيا، ورسالةً تُوجِّهُ حركةَ الإنسانِ نحو القِيَمِ الروحيةِ والأخلاقيةِ.
والصلةُ بينَ شهرِ رَمضانَ والقُرآنِ صلةُ حياةٍ للرُّوحِ، وبعثٍ للقلبِ، وإحياءٌ لمعانى الإيمانِ فى النفوسِ، فقد نزلَ القُرآنُ فيه شفاءً للصدورِ وهدايةً للبشرِ، قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ»، «البقرة :185».
كما أنَّه فيه تتفتّحُ القلوبُ لسماعِ كلامِ اللهِ، وتلينُ النفوسُ لتدبّرِ آياتِه، ويجدُ المؤمنُ فى تلاوتِه سكينةً تغمرُ صدرَه، ونورًا يعمرُ قلبَه، وطمأنينةً تملأُ وجدانَه، قال تعالى:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ»، «يونس: 57»، فالقرآنُ ربيعُ القلوبِ حينَ تذبلُ، وشفاءُ الصدورِ حينَ تضيقُ، ونورُ البصائرِ حينَ تشتبهُ السُّبُلُ.
ربيعُ القلوبِ، حيثُ يوقظُ الإيمانَ الكامنَ، ويُنعشُ المعانى التى أضعفَها الانشغالُ بالدنيا، كما يُحيى فى النفسِ الطمأنينةَ، ويمنحُها توازنًا داخليًّا يجعلُها أكثرَ قدرةً على مواجهةِ ضغوطِ الحياةِ.
وهو شفاءُ الصدورِ، حيثُ يداوى أمراضَ الحقدِ والحسدِ والخوفِ، ويُطفئُ نارَ القلقِ، ويهدى الحائرَ.
وقد كان رسولُ اللهِ أعظمَ الناسِ صلةً بالقُرآنِ فى رَمضانَ، فعن ابنِ عباسٍ رضى اللهُ عنهما قال: «كان رسولُ اللهِ، أجودَ الناسِ، وكان أجودَ ما يكونُ فى رَمضانَ حين يلقاهُ جبريلُ، وكان جبريلُ يلقاهُ فى كلِّ ليلةٍ من شهرِ رَمضانَ فيدارسُهُ القُرآنَ»، وفى هذه المدارسةِ النبويةِ إشارةٌ بليغةٌ إلى أنَّ رَمضانَ هو موسمُ تجديدِ العهدِ مع القُرآنِ: قراءةً، وفهمًا، وتدبّرًا، وعملًا والتزامًا، قال تعالى: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ»، «ص: 29».
وحينَ يتحوّلُ القُرآنُ فى رمضانَ إلى منهجِ حياةٍ، تستقيمُ القلوبُ، وتصفو النفوسُ، ويغدو رَمضانُ نقطةَ انطلاقٍ لعامٍ كاملٍ من الهدايةِ والاستقامةِ.
وختامًا.. فى ظلِّ ما تعانيه أُمّتُنا اليومَ من آلامٍ، يأتى القُرآنُ كتابًا للقِيَمِ الإيمانيةِ والأخلاقيةِ والإنسانيةِ، ومنبعًا للآدابِ والكمالاتِ، فلنتعلّقْ به، ليكونَ ربيعًا لقلوبِنا وشفاءً لصدورِنا، وليكونَ فينا كما أرادَ اللهُ حبلًا متينًا تعتصمُ به الأُمّةُ من الفرقةِ والشتاتِ، وصراطًا مستقيمًا تهتدى به إلى العزّةِ والرشادِ.
والسعيدُ من جعلَ القُرآنَ صاحبَه فى شهرِه، ودليلَه فى عامِه، ومنهجَه فى حياتِه، حتى يلقى اللهَ وقلبُه عامرٌ بذكرِه، ولسانُه رطبٌ بتلاوتِه، وسلوكُه شاهدٌ بهديِه.
المصدر: اليوم السابع


