عمر غازي: “وهم الاستقلالية” لدى “جيل زد” يتكشف مع هيمنة الخوارزميات على تشكيل الوعي الرقمي

الترند بالعربي – متابعات
أكد الكاتب والإعلامي “عمر غازي” أن الحديث عن استقلالية “جيل زد” يحتاج إلى مراجعة جادة، مشيرًا إلى أن هذا الجيل يقدّم نفسه بوصفه الأكثر تحررًا من السلطات التقليدية، لكنه يعيش في المقابل داخل بيئة رقمية تتحكم الخوارزميات في ترتيب ما يُعرض عليه وما يُخفى عنه.
وأوضح غازي، في مقال صحفي مطول، أن تعطل خدمات “Facebook” و”Instagram” و”WhatsApp” عالميًا لنحو 6 ساعات في 4 أكتوبر 2021 كشف حجم الاعتماد العضوي على بنية رقمية واحدة، لافتًا إلى أن الحدث الذي غطته “Reuters” و”The Guardian” بوصفه أحد أكبر الانقطاعات في تاريخ المنصات لم يكن مجرد أزمة تقنية، بل تسبب في ارتباك يومي شمل توقف أعمال رقمية وشعور مستخدمين بالعزلة المفاجئة.
وأضاف أن هذا الانقطاع القصير مثّل اختبارًا كاشفًا لهشاشة الاستقلال الرقمي الذي يجري الحديث عنه، مبينًا أن الاعتماد على المنصات لم يعد مجرد عادة استخدام، بل أصبح جزءًا من بنية الحياة اليومية.
وأشار إلى أن تقرير “Digital News Report 2023” الصادر عن “Reuters Institute” أظهر اعتماد الفئة العمرية من 18 إلى 24 عامًا على المنصات الاجتماعية كمصدر رئيسي للأخبار بنسبة تفوق أي فئة عمرية أخرى، موضحًا أن “Instagram” و”TikTok” و”YouTube” أصبحت بوابات المعرفة الأولى لهذه الفئة، وهو ما يعني أن ترتيب الخوارزمية للمحتوى يسبق الاختيار الواعي للمصدر.
وتابع غازي أن دراسة منشورة عام 2021 في “Proceedings of the National Academy of Sciences” بيّنت أن أنظمة التوصية الرقمية تعزز المحتوى المتوافق مع ميول المستخدم السابقة أكثر من المحتوى المخالف، ما يساهم في تعميق “غرف الصدى”، ويجعل الفرد يظن أنه كوّن قناعته بنفسه، بينما يتحرك فعليًا داخل إطار معلوماتي صُمم لتعظيم التفاعل لا التعدد الفكري.
كما لفت إلى دراسة نشرها باحثون من “MIT” عام 2018 في مجلة “Science”، أثبتت أن الأخبار الكاذبة على “Twitter” تنتشر أسرع من الأخبار الصحيحة بنسبة تصل إلى 70%، وأن المحتوى المثير عاطفيًا يحفّز الانتشار أكثر من المحتوى الدقيق، معتبرًا أن هذه النتيجة تطرح سؤالًا مباشرًا حول طبيعة تشكل الوعي لدى “جيل زد”، وما إذا كان يتشكل عبر الصحيح أم عبر الأكثر إثارة وانتشارًا.
وفي السياق نفسه، أشار إلى أن تقرير “Pew Research Center” لعام 2022 أوضح أن نسبة كبيرة من الشباب الأميركيين بين 18 و29 عامًا يقولون إنهم متصلون بالإنترنت بشكل شبه دائم، معتبرًا أن هذا الاتصال المستمر لا يعكس استقلالًا كاملًا، بل ارتباطًا دائمًا بفضاء رقمي يعيد تشكيل الذوق والرأي والصورة الذاتية وفق استجابات لحظية من جمهور غير مرئي.
وتحدث غازي أيضًا عن القرارات المهنية، مشيرًا إلى أن تقرير “McKinsey 2022” حول مستقبل العمل أظهر أن الأجيال الشابة تولي اهتمامًا بالغًا لصورة الشركة الرقمية وسرديتها العامة عند اتخاذ قرار الانضمام أو المغادرة، ما يعكس أن الهوية الرقمية لم تعد مجرد واجهة، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في القرار نفسه.
وأكد أن المفارقة ليست في استخدام “جيل زد” للمنصات، لأن كل جيل يستخدم أدوات عصره، بل في رفعه شعار التحرر المطلق بينما يعيش داخل نظام رقمي تحدد خوارزمياته ما يُعرض أولًا وما يُخفى وما يُضخّم، مشددًا على أن التحرر الحقيقي يفترض القدرة على اختيار المصدر والانسحاب عند الرغبة وتكوين الرأي بعيدًا عن الضغط اللحظي.
واختتم غازي بطرح سؤال محوري حول حدود الحرية الرقمية اليوم، مفاده: إذا كانت الخوارزمية ترتب العالم أمامنا قبل أن نراه، فهل نختار فعلًا، أم نختار من داخل إطار اختير لنا مسبقًا؟



