كُتاب الترند العربي

الشكر قيمة لا تموت

محمود عبدالراضي

في زحام الحياة وتسارع أيامها، غابت عن كثيرين قيمة إنسانية بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها، هي ثقافة الشكر، كلمة صغيرة، لا تكلّف جهدًا ولا وقتًا، لكنها قادرة على ترميم القلوب، وبناء الجسور، وإحياء المودة بين الناس.

ومع ذلك، أصبح الشكر عملة نادرة، لا تُتداول إلا في أضيق الحدود، وكأن الامتنان صار عبئًا، أو ضعفًا لا يليق بعالم يميل إلى القسوة والأنانية.

نتساءل أحيانًا، لماذا لا نشكر من أسدى إلينا معروفًا؟ ولماذا نتعامل مع الخير وكأنه واجب مفروض على الآخرين لا يستحق التقدير؟ أصبح البعض يتلقى العون، والدعم، والمساندة، ثم يمضي في طريقه دون أن يلتفت، وكأن المعروف لم يكن، وكأن القلوب خلت من الشعور، والذاكرة فقدت قدرتها على الاعتراف بالجميل.

الأغرب أن غياب الشكر لم يعد مقصورًا على الغرباء، بل امتد ليشمل الأصدقاء والأحباب، بل والأقارب،كم من مرة ساندتك زوجتك، أو دعمك زوجك، وكم من صديق وقف إلى جوارك في لحظة ضعف، وكم من قريب مدّ يده دون انتظار مقابل، ثم لم يسمع كلمة شكر واحدة، ومع تكرار التجاهل، تخبو المشاعر، وتبرد العلاقات، وتتحول المودة إلى واجب ثقيل، أو ذكرى بعيدة.

ثقافة الشكر ليست مجرد كلمة تقال، بل سلوك يعكس الذوق العام، واحترام الآخر، وتقدير جهده، مهما بدا بسيطًا.

الشكر يمنح الإنسان شعورًا بقيمته، ويشجعه على الاستمرار في العطاء، ويخلق دائرة من الخير المتبادل، وعندما يغيب، يسود الجفاء، ويشعر الناس أن ما يقدمونه يضيع في فراغ لا صدى له.

في مجتمعاتنا، كنا نعتز بالقيم الجميلة، ونفتخر بالأخلاق الراقية، حيث كان المعروف يُقابل بالمعروف، والكلمة الطيبة تسبق الطلب وتختم الموقف.

اليوم، نحن في حاجة ماسة إلى استعادة تلك القيم، لا عبر الخطب والشعارات، بل بالممارسة اليومية، في البيت، والعمل، والشارع.

ربما لا نملك تغيير العالم، لكننا نملك تغيير أنفسنا، نملك أن نقول شكرًا بصدق، أن نعترف بالجميل، وأن نعيد للإنسانية دفئها المفقود، فحين يعود الشكر، تعود معه المودة، ويقوى الرابط بين القلوب، ويسود الحب بين الجميع.

المصدر: اليوم السابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى