سياسةسياسة العالم

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث

الترند العربي – متابعات

تفتح تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالسيطرة على غرينلاند فصلًا غير مسبوق في تاريخ حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وتدفع التحالف العسكري الأكبر في العالم إلى مواجهة أزمة قد تكون وجودية، في سابقة تهدد بتحويل الخلافات السياسية الداخلية إلى صدام محتمل بين أعضاء يفترض أنهم حلفاء.

غرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك، تحوّلت فجأة من جزيرة نائية في القطب الشمالي إلى بؤرة توتر جيوسياسي، بعدما لمّح البيت الأبيض صراحة إلى أن «كل الخيارات مطروحة»، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية الأميركية، للسيطرة على الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي والغنية بالموارد المعدنية.

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث
تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث

معضلة غير مسبوقة داخل الحلف

الناتو الذي تأسس عام 1949 لمواجهة تهديدات خارجية، وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي سابقًا، يجد نفسه اليوم أمام سيناريو غير متخيَّل: احتمال تهديد عضو مؤسس وقائد للتحالف، عضوًا آخر داخل المنظومة نفسها.

يقوم الناتو على مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة تأسيسه، والتي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجومًا على الجميع. لكن هذا المبدأ يفقد معناه عمليًا إذا جاء التهديد من داخل الحلف نفسه، وهو ما يجعل حالة غرينلاند استثنائية وخطيرة في آن واحد.

وعلى الرغم من أن تاريخ الحلف شهد توترات داخلية، أبرزها بين اليونان وتركيا، فإن تلك الخلافات لم تصل يومًا إلى حد التلويح بالاستيلاء العسكري على أراضي أحد الأعضاء، كما يحدث اليوم مع الدنمارك عبر ملف غرينلاند.

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث
تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث

البيت الأبيض يرفع السقف

البيت الأبيض صعّد من لهجته بشكل لافت، مؤكدًا في بيان رسمي أن غرينلاند «أولوية للأمن القومي الأميركي»، ومشيرًا إلى أن الرئيس وفريقه يدرسون «مجموعة من الخيارات» لتحقيق هذا الهدف، مع عدم استبعاد اللجوء إلى القوة العسكرية.

هذا التصريح اعتُبر نقطة تحوّل في التعاطي مع الملف، بعدما كان يُنظر سابقًا إلى تصريحات ترمب حول غرينلاند باعتبارها ضغطًا سياسيًا أو ورقة تفاوض، لا أكثر.

ويرى خبراء في شؤون الناتو أن هذا الخطاب لم يعد يُقرأ كتهديد إعلامي عابر، بل كاحتمال استراتيجي يجب التعامل معه بجدية.

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث
تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث

تحذيرات من تفكك الحلف

إيان ليسر، الزميل البارز في صندوق مارشال الألماني وخبير شؤون الناتو، وصف الموقف بأنه «منخفض الاحتمال لكنه عالي العواقب»، مشيرًا إلى أن مجرد تغيّر مستوى الاحتمالات يجعل تجاهله أمرًا بالغ الخطورة.

وتحذّر أصوات داخل أوروبا من أن أي تحرك أميركي أحادي ضد غرينلاند قد يعني عمليًا نهاية الناتو بصيغته الحالية، أو على الأقل تدمير مصداقيته السياسية والعسكرية.

رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن شددت على أن التهديد الأميركي يجب أن يؤخذ على محمل الجد، محذرة من أن أي اعتداء من دولة عضو على أخرى «قد يوقف كل شيء»، في إشارة إلى شلل محتمل داخل الحلف.

اصطفاف أوروبي واسع دفاعًا عن السيادة

في مواجهة التصعيد الأميركي، أعلنت مجموعة من الدول الأوروبية الكبرى، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا، دعمها الكامل لسيادة الدنمارك وغرينلاند، في بيان مشترك أكد أن القرار بشأن مستقبل الجزيرة «يعود حصريًا للدنمارك وغرينلاند».

كما عبّرت كندا، التي تطل مباشرة على الساحل الغربي لغرينلاند، عن دعمها للموقف الدنماركي، في رسالة سياسية واضحة بأن أي تغيير قسري في وضع الجزيرة سيُنظر إليه كتهديد للاستقرار الإقليمي في القطب الشمالي.

في المقابل، يلتزم الناتو نفسه حذرًا شديدًا في تعليقاته الرسمية، في محاولة واضحة لتجنب صدام مباشر مع واشنطن، العضو الأقوى والأكثر تأثيرًا داخل الحلف.

ترمب ورسائل مزدوجة

وفي منشور جديد على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترمب إن «روسيا والصين لا تخشيان الناتو من دون الولايات المتحدة»، مؤكدًا في الوقت ذاته أن بلاده «ستبقى دائمًا إلى جانب الناتو، حتى لو لم يكن الحلف إلى جانبها».

هذه التصريحات تعكس تناقضًا واضحًا في الخطاب الأميركي، بين التأكيد على قيادة الناتو، والتهديد بإجراءات أحادية قد تقوّض أساس التحالف نفسه.

أبعاد استراتيجية أعمق

أهمية غرينلاند لا تقتصر على بعدها الجغرافي، بل تمتد إلى موقعها المحوري في القطب الشمالي، ودورها في منظومة الإنذار المبكر الأميركية، إضافة إلى ثرواتها المعدنية النادرة، التي تكتسب أهمية متزايدة في ظل التنافس العالمي على سلاسل التوريد والموارد الاستراتيجية.

ويرى محللون أن أي خطوة أميركية لفرض السيطرة على الجزيرة بالقوة ستُستخدم من قبل خصوم الناتو، وعلى رأسهم روسيا والصين، لتشويه صورة الحلف، وتقويض سرديته الأخلاقية القائمة على احترام السيادة والقانون الدولي.

توقيت بالغ الحساسية

يتزامن هذا التوتر مع مرحلة حساسة من الحرب في أوكرانيا، حيث تقود الولايات المتحدة جهودًا سياسية وعسكرية معقّدة لدعم كييف، ما يجعل فتح جبهة خلاف داخل الناتو عامل إضعاف خطير في لحظة تحتاج فيها المنظومة الغربية إلى أقصى درجات التماسك.

وتحذّر ماريا مارتيسيوتي، محللة شؤون الدفاع في مركز السياسات الأوروبية، من أن مصداقية الناتو باتت على المحك، مؤكدة أن «تقويض عضو قيادي لعضو آخر لا يخدم سوى خصوم الحلف».

بين إنفاق الدفاع وأزمة الثقة

المفارقة أن هذا التوتر يأتي بعد أشهر قليلة من اصطفاف قادة الناتو خلف مطالب ترمب بزيادة الإنفاق الدفاعي، حيث وافقت معظم الدول الأعضاء على رفع استثماراتها العسكرية لتقترب من مستوى الإنفاق الأميركي للفرد الواحد خلال عقد من الزمن.

وقبل أسابيع فقط، وصف الأمين العام للناتو مارك روته ترمب بأنه «منقذ الحلف»، معتبرًا أن الناتو بات أقوى من أي وقت مضى منذ سقوط جدار برلين. لكن مراقبين يرون أن أزمة غرينلاند تهدد بنسف هذا الزخم، وتحويل مكاسب الإنفاق الدفاعي إلى عبء سياسي إذا انهارت الثقة بين الأعضاء.

ويختصر إيان ليسر المعضلة بسؤال جوهري: «ما الجدوى من إحياء القدرات العسكرية للناتو إذا لم يعد تحالفًا سياسيًا قابلًا للحياة؟»، محذرًا من أن أي انهيار داخلي سيكون «هدية مجانية لموسكو وبكين».

لماذا تهدد تصريحات ترمب وحدة الناتو؟
لأنها تتضمن احتمال استخدام القوة ضد إقليم تابع لدولة عضو في الحلف، وهو سيناريو غير مسبوق.

ما أهمية غرينلاند استراتيجيًا؟
تقع في موقع حيوي بالقطب الشمالي، وتضم موارد معدنية نادرة، وتلعب دورًا في منظومة الدفاع الأميركي.

هل يمكن للناتو تطبيق المادة الخامسة في هذه الحالة؟
عمليًا لا، لأن المادة تفترض تهديدًا خارجيًا، لا صراعًا بين أعضاء الحلف أنفسهم.

كيف ردّت الدول الأوروبية؟
أعلنت دعمها الكامل لسيادة الدنمارك وغرينلاند، ورفضت أي تغيير قسري للوضع القائم.

ما المستفيد من تفكك محتمل للناتو؟
روسيا والصين، اللتان قد تستغلان الانقسام لإضعاف النفوذ الغربي عالميًا.

اقرأ أيضًا: قباء في قلب المشهد الإيماني… 26 مليون زائر يؤكدون مكانة أول مسجد في الإسلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى