غرينلاند تقول كلمتها بوجه واشنطن… «هذا يكفي» تشعل مواجهة سيادية مع ترمب
الترند العربي – متابعات
دخل ملف غرينلاند مجددًا دائرة التوتر الدولي، بعدما ردّ رئيس وزرائها بلهجة غير مسبوقة على تصريحات وتهديدات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن «الحاجة» إلى ضم الجزيرة القطبية الشمالية، مؤكدًا أن بلاده لن تقبل لغة الضغط أو الإيحاءات السياسية، وأن مسألة السيادة ليست مطروحة للنقاش أو المساومة، في تطور أعاد فتح واحد من أكثر الملفات الجيوسياسية حساسية في شمال العالم.
«هذا يكفي»… رسالة مباشرة من نوك
قال رئيس وزراء غرينلاند فريدريك نيلسن، في منشور علني، إن الوقت قد حان لوضع حد للتلميحات الأميركية المتكررة، مضيفًا: «لا مزيد من الضغوط. لا مزيد من التلميحات. لا مزيد من أوهام الضم. نحن منفتحون على الحوار، لكن فقط عبر القنوات الصحيحة وبما يتوافق مع القانون الدولي».
وجاءت هذه العبارة القصيرة والحاسمة لتكسر نمط اللغة الدبلوماسية الهادئة التي اعتادت غرينلاند استخدامها، وتعكس تحوّلًا واضحًا في نبرة الخطاب السياسي تجاه واشنطن.

جزيرة صغيرة… وموقع يصنع العواصف
رغم مساحتها الشاسعة وقلة عدد سكانها، تحتل غرينلاند موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، إذ تقع قبالة الساحل الشمالي الشرقي لكندا، ويمتد أكثر من ثلثي أراضيها داخل الدائرة القطبية الشمالية. هذا الموقع جعلها تاريخيًا نقطة ارتكاز في معادلات الدفاع عن أميركا الشمالية، ومفتاحًا للسيطرة على ممرات الشحن في شمال الأطلسي.
اليوم، ومع تصاعد المنافسة الدولية في القطب الشمالي، تحوّلت غرينلاند من جزيرة نائية إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها مصالح الولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، والصين.
ترمب يعيد طرح فكرة الضم
عاد الرئيس الأميركي للحديث علنًا عن «حاجة» بلاده إلى غرينلاند، معتبرًا أن المسألة ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأميركي. تصريحات ترمب لم تكن جديدة، لكنها اكتسبت هذه المرة بعدًا أكثر استفزازًا، خاصة مع تداول خريطة للجزيرة بألوان العلم الأميركي، مرفقة بكلمة «قريبًا»، ما أثار موجة قلق سياسي وإعلامي واسع في كوبنهاغن ونوك على حد سواء.
ويرى مراقبون أن ترمب يستخدم لغة الصدمة السياسية لإعادة فتح ملفات كان قد أثارها في ولايته السابقة، في سياق استعراض القوة، واختبار ردود فعل الحلفاء قبل الخصوم.

الدنمارك ترد… والسيادة خط أحمر
من جانبها، خرجت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن بتصريح حازم، طالبت فيه الولايات المتحدة بالكف عن تهديداتها، مؤكدة أن الحديث عن سيطرة أميركية على غرينلاند «غير مقبول تمامًا».
وشددت على أن مملكة الدنمارك، التي تضم غرينلاند وجزر فارو، عضو في حلف شمال الأطلسي، وتتمتع بضمانات أمنية واضحة، ما يجعل أي مساس بسيادتها أو أراضيها مسألة بالغة الخطورة سياسيًا.
فرنسا تدخل على الخط
لم يقتصر الدعم الأوروبي لغرينلاند على الدنمارك وحدها، إذ أكدت فرنسا، عبر وزارة خارجيتها، دعمها الكامل لسيادة وسلامة أراضي الدنمارك وغرينلاند. وقال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو إن غرينلاند «ملك لشعبها ولشعب الدنمارك»، مؤكدًا أن الحدود لا يمكن تغييرها بالقوة، وأن أي قرار بشأن مستقبل الجزيرة يعود حصريًا إلى سكانها.
هذا الموقف الفرنسي أعاد التذكير بأن أوروبا تنظر بقلق متزايد إلى أي محاولة لإعادة رسم الخرائط بالقوة، حتى وإن جاءت من حليف أطلسي.

غرينلاند بين الحكم الذاتي والسيادة الدولية
تتمتع غرينلاند بحكم ذاتي واسع داخل مملكة الدنمارك، مع سيطرة محلية على الشؤون الداخلية، بينما تتولى كوبنهاغن ملفات الدفاع والسياسة الخارجية. ورغم أن بعض التيارات في غرينلاند تطالب بالاستقلال الكامل، فإن هذه المطالب تُطرح ضمن إطار قانوني وسياسي طويل الأمد، لا عبر ضغوط خارجية أو صفقات دولية.
ولهذا، تُعد تصريحات ترمب بمثابة تجاهل مباشر لإرادة السكان، ومحاولة لإعادة منطق الصفقات الجغرافية إلى القرن الحادي والعشرين.
المعادن النادرة… جوهر الصراع الخفي
أحد أهم أسباب الاهتمام الأميركي المتزايد بغرينلاند يتمثل في ثرواتها الطبيعية الهائلة، وعلى رأسها ما يُعرف بالمعادن الأرضية النادرة، الضرورية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والدفاع.
ومع سعي واشنطن لتقليل اعتمادها على الصين في هذا القطاع، تبدو غرينلاند خيارًا استراتيجيًا مغريًا، لكنه محفوف بحساسيات سياسية وقانونية كبرى.
القواعد العسكرية الأميركية… وجود قائم لا يحتاج ضمًا
تحتفظ الولايات المتحدة بالفعل بوجود عسكري في غرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية، عبر قواعد لعبت دورًا محوريًا في الدفاع الجوي والإنذار المبكر. ويرى محللون أن هذا الوجود يمنح واشنطن ما تحتاجه عسكريًا دون الحاجة إلى إثارة جدل الضم، ما يطرح تساؤلات حول الدوافع الحقيقية خلف التصريحات الأخيرة.
خطاب القوة أم اختبار الحلفاء؟
يعتقد مراقبون أن ترمب يستخدم ملف غرينلاند لاختبار حدود ردود الفعل الأوروبية، وقياس مدى استعداد الحلفاء لمواجهة خطاب أميركي أحادي، خاصة في ظل تحولات عالمية تشهد تصاعد النزعة القومية والواقعية السياسية.
في المقابل، يبدو أن رد نيلسن وفريدريكسن يعكس وعيًا أوروبيًا متزايدًا بضرورة وضع خطوط حمراء واضحة، حتى في التعامل مع واشنطن.
القانون الدولي في قلب المواجهة
تستند غرينلاند والدنمارك، ومعهما فرنسا، إلى مبدأ راسخ في القانون الدولي يقوم على احترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها. هذا المبدأ يجعل أي حديث عن الضم، حتى لو جاء بصيغة «الحاجة الأمنية»، مرفوضًا من حيث الأساس.
ويرى خبراء القانون الدولي أن مجرد تداول فكرة الضم في الخطاب الرسمي يخلق سابقة خطيرة، قد تُستغل من قوى أخرى لتبرير تحركات مشابهة في مناطق مختلفة من العالم.
لماذا الآن؟
توقيت التصعيد ليس معزولًا عن السياق العالمي، إذ يأتي في ظل سباق محموم على النفوذ في القطب الشمالي، وتزايد الاهتمام بالممرات البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد، إضافة إلى اشتداد المنافسة بين القوى الكبرى على الموارد.
غرينلاند، في هذا المشهد، لم تعد مجرد جزيرة، بل قطعة شطرنج استراتيجية في لعبة دولية معقّدة.
نوك ترفع الصوت بدل الصمت
اللافت في هذه الأزمة أن غرينلاند نفسها، وليس فقط الدنمارك، هي من تصدرت الرد. نبرة «هذا يكفي» تعكس تحوّلًا في الوعي السياسي المحلي، ورغبة في التأكيد على أن الجزيرة ليست مجرد تابع صامت، بل كيان له إرادة وصوت وموقف.
هل تتجه الأزمة إلى التهدئة أم التصعيد؟
حتى الآن، لا مؤشرات على تراجع ترمب عن تصريحاته، كما لا يبدو أن غرينلاند أو الدنمارك مستعدتان لتقديم أي تنازل لفظي. هذا الجمود يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، من تهدئة دبلوماسية خلف الكواليس، إلى تصعيد إعلامي وسياسي أوسع.
غرينلاند بين الجغرافيا والكرامة السياسية
في جوهر الأزمة، لا يتعلق الأمر فقط بالجغرافيا أو الموارد، بل بالكرامة السياسية لشعب صغير يجد نفسه فجأة في قلب عاصفة دولية. عبارة «هذا يكفي» لم تكن مجرد رد غاضب، بل إعلان موقف، ورسالة واضحة بأن زمن الصفقات الجغرافية قد انتهى.
لماذا تهتم الولايات المتحدة بغرينلاند؟
بسبب موقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي، واحتوائها على معادن نادرة مهمة للأمن والصناعة.
ما رد غرينلاند على تصريحات ترمب؟
رئيس وزرائها قال بوضوح: «هذا يكفي»، رافضًا أي تلميحات بالضم.
ما موقف الدنمارك؟
أكدت أن أي حديث عن السيطرة الأميركية غير مقبول، وأن السيادة خط أحمر.
هل دخلت دول أخرى على خط الأزمة؟
نعم، فرنسا أعلنت دعمها الكامل لسيادة غرينلاند والدنمارك.
هل يمكن ضم غرينلاند قانونيًا؟
لا، وفق القانون الدولي، تقرير المصير حق حصري لشعب غرينلاند، ولا يمكن تغيير الحدود بالقوة.
اقرأ أيضًا: من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو



