سياسة العالمسياسة

من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو

الترند العربي – متابعات

لم يكن اسم نيكولاس مادورو معروفًا خارج الأحياء الشعبية في كاراكاس قبل عقود، لكن مسيرته تحوّلت إلى واحدة من أكثر القصص السياسية إثارة للجدل في أميركا اللاتينية، بعدما انتقل من سائق حافلة ومنظّم نقابي إلى رئيس دولة، ثم إلى شخصية دولية محاصَرة بالعقوبات والاتهامات، وصولًا إلى إعلان اعتقاله وترحيله لمحاكمته في الولايات المتحدة. إنها قصة صعود غير تقليدي، حكم طويل مثقل بالأزمات، ونهاية مفتوحة على كل الاحتمالات.

نشأة متواضعة في قلب الطبقة العاملة

وُلد نيكولاس مادورو في 23 نوفمبر 1962 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، داخل عائلة من الطبقة العاملة، في بيئة اجتماعية اتسمت بالبساطة والاحتكاك المباشر بمعاناة الشارع. لم يأتِ من خلفية نخبوية، ولم يتلقَّ تعليمًا سياسيًا كلاسيكيًا، بل تشكّلت شخصيته في أجواء العمل اليومي والنشاط النقابي.

عمل مادورو في شبابه سائق حافلة وعامل نقل، وهناك بدأ احتكاكه المباشر بالطبقة الكادحة، ما جعله ينخرط مبكرًا في العمل النقابي، ويبرز كمنظّم داخل اتحاد سائقي الحافلات، وهي المرحلة التي شكّلت حجر الأساس لمسيرته السياسية اللاحقة، وفق ما وثّقته مصادر أكاديمية متعددة.

من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو
من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو

من النقابة إلى البرلمان

في أواخر تسعينات القرن الماضي، ومع صعود التيار اليساري في فنزويلا، وجد مادورو طريقه إلى السياسة من بوابة النقابة، حيث تحوّل من ناشط عمالي إلى ممثل سياسي. وفي عام 2000، انتُخب عضوًا في الجمعية الوطنية، مستفيدًا من التغييرات التي طرأت على النظام التشريعي عقب وصول التيار البوليفاري إلى الحكم.

لم يكن مادورو في تلك المرحلة نجمًا سياسيًا بارزًا، لكنه كان لاعبًا منضبطًا داخل المنظومة الجديدة، ما سمح له بالصعود التدريجي داخل هياكل السلطة، حتى تولّى رئاسة الجمعية الوطنية لفترة وجيزة عام 2005.

من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو
من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو

بوابة الخارجية… وتعزيز النفوذ

في عام 2006، عُيّن مادورو وزيرًا للخارجية، وهو المنصب الذي شكّل نقطة تحول حقيقية في مسيرته. من خلال الخارجية، نسج شبكة علاقات واسعة داخل الحزب الاشتراكي الموحد، وعزّز حضوره الإقليمي، خاصة عبر دعمه للتحالف البوليفاري لشعوب أميركا (ALBA)، الذي سعى إلى تقليص النفوذ الأميركي في القارة.

في تلك المرحلة، أصبح مادورو أحد الوجوه الدبلوماسية المدافعة عن مشروع هوغو تشافيز، وظهر كصوت صلب في مواجهة واشنطن، ما جعله محل ثقة الرئيس الفنزويلي الراحل.

الوريث السياسي لتشافيز

مع تدهور الحالة الصحية لهوغو تشافيز في عام 2011، بدأ اسم مادورو يبرز كأحد المرشحين لخلافته. وفي أكتوبر 2012، عُيّن نائبًا للرئيس، في خطوة اعتُبرت تمهيدًا واضحًا لنقل السلطة.

وقبيل وفاة تشافيز في مارس 2013، أعلن الأخير مادورو رئيسًا للجنة انتقال السلطة، في رسالة صريحة إلى قواعد التيار البوليفاري. وبعد أسابيع، فاز مادورو في الانتخابات الرئاسية الخاصة في أبريل 2013، ليصبح رئيسًا لفنزويلا، وارثًا مشروعًا سياسيًا ضخمًا، ودولة تعيش على إيقاع الاستقطاب الحاد.

من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو
من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو

بداية حكم مثقل بالتحديات

منذ الأيام الأولى لحكمه، واجه مادورو واقعًا مختلفًا عن مرحلة تشافيز، تمثّل في تراجع أسعار النفط، وتضخم اقتصادي متسارع، ونقص حاد في المواد الأساسية، وانهيار تدريجي للعملة الوطنية. هذه الأزمات دفعت ملايين الفنزويليين إلى الهجرة، وأشعلت موجات احتجاج متكررة في الشوارع.

اتهمته المعارضة بسوء الإدارة، وباستخدام أجهزة الدولة لقمع الاحتجاجات، بينما رأى أنصاره أن ما يحدث هو نتيجة «حرب اقتصادية» تقودها قوى داخلية وخارجية لإسقاط المشروع البوليفاري.

صراع مفتوح مع الولايات المتحدة

شكّل الصراع مع واشنطن محورًا ثابتًا في سياسة مادورو الخارجية. ومع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تصاعد التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على قطاع النفط الفنزويلي، وشركات وناقلات مرتبطة به، في محاولة لتجفيف مصادر تمويل النظام.

واعتبرت إدارة ترمب أن هذه العقوبات جزء من حملة شاملة لمعاقبة ما وصفته بـ«نظام فاسد ومتورط في أنشطة إجرامية».

من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو
من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة ثم الزنزانة… القصة الكاملة لنيكولاس مادورو

«كارتل الشمس» وتهم المخدرات

من أخطر الاتهامات التي لاحقت مادورو ما يتعلق بقيادته لما يُعرف بـ«كارتل دي لوس سوليس» أو «كارتل الشمس»، وهو مصطلح يشير إلى شبكة يُزعم أنها تضم ضباطًا كبارًا في الجيش والحرس الوطني، متورطين في تهريب المخدرات.

وتتهم واشنطن مادورو بالضلوع المباشر في تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، ورفعت مكافآت مالية ضخمة مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله، في خطوة غير مسبوقة بحق رئيس دولة في السلطة.

انتخابات مثيرة للجدل

في يناير 2025، فاز مادورو بولاية رئاسية ثالثة، بعد انتخابات شابتها اتهامات واسعة بالتزوير، وانتقادات دولية حادة. ورأت المعارضة أن النتائج لا تعكس الإرادة الشعبية، بينما اعتبر مادورو الفوز تفويضًا جديدًا لمواصلة مشروعه السياسي.

هذا الفوز زاد من عزلة فنزويلا الدولية، وعمّق الانقسام الداخلي، في وقت كانت البلاد تواجه واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية والاجتماعية.

تحالفات مضادة للعزلة

في مواجهة الضغوط الغربية، عمل مادورو على تعزيز علاقات بلاده مع روسيا والصين وإيران، في محاولة لتخفيف العزلة، وتأمين بدائل اقتصادية وسياسية. هذه التحالفات منحت نظامه هامشًا من المناورة، لكنها في الوقت نفسه زادت من حدة التوتر مع الولايات المتحدة وحلفائها.

مادورو… شخصية منقسِمة حولها الآراء

يرى أنصار مادورو فيه استمرارًا لمشروع تشافيز، ورمزًا للصمود في وجه الهيمنة الخارجية، بينما يراه معارضوه تجسيدًا لـ«الاستبداد الشعبوي»، ومسؤولًا مباشرًا عن الانهيار الاقتصادي والانغلاق السياسي.

هذا الانقسام الحاد جعل من شخصه محورًا دائمًا للجدل، داخل فنزويلا وخارجها، وحوّل اسمه إلى عنوان دائم للأزمات.

سيليا فلوريس… الشريكة في السياسة والسلطة

لم يكن مادورو وحيدًا في مسيرته، إذ لعبت زوجته سيليا فلوريس دورًا محوريًا في صعوده. بدأت فلوريس كمحامية لهوغو تشافيز، ثم صعد نجمها داخل الحزب، وانتُخبت عضوًا في البرلمان، قبل أن تتزوج مادورو عقب توليه الرئاسة عام 2013.

فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليها في 2018، متهمة إياها بالمساهمة في «نهب ثروات فنزويلا» وترسيخ نظام سلطوي. كما شملت العقوبات لاحقًا أفرادًا من عائلتها الممتدة.

الاعتقال… نهاية مرحلة أم بداية فصل جديد؟

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلقاء القبض على مادورو وزوجته وترحيلهما جواً خارج فنزويلا شكّل لحظة فارقة في تاريخ البلاد. فالرجل الذي صعد من مقود الحافلة إلى قصر الرئاسة، وجد نفسه فجأة في قلب معركة قانونية دولية، تضع مستقبله السياسي على المحك.

الاعتقال لا يمثل فقط نهاية محتملة لحكم طويل، بل يفتح الباب أمام مرحلة غامضة لفنزويلا، قد تعيد رسم المشهد السياسي بالكامل.

مادورو في الذاكرة السياسية

سواء انتهت قصته بالإدانة أو بجدل قانوني طويل، سيبقى نيكولاس مادورو واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في تاريخ فنزويلا الحديث. رجل خرج من قلب الطبقة العاملة، واعتلى قمة السلطة، وحكم في زمن الأزمات، وواجه العالم بلغة التحدي، قبل أن يسقط في قبضة خصومه.

من هو نيكولاس مادورو؟
رئيس فنزويلا السابق، بدأ حياته سائق حافلة ومنظّمًا نقابيًا قبل أن يصبح الوريث السياسي لهوغو تشافيز.

متى تولى الرئاسة؟
تولى الرئاسة في عام 2013 بعد وفاة تشافيز.

ما أبرز التهم الموجهة إليه؟
تهم تتعلق بسوء الإدارة، والفساد، وتهريب المخدرات، وقيادة ما يُعرف بـ«كارتل الشمس».

ما دور زوجته سيليا فلوريس؟
شريكة سياسية بارزة، فُرضت عليها عقوبات أميركية، وتُتهم بالمشاركة في ترسيخ النظام.

ما دلالة اعتقاله؟
يشكل نقطة تحول كبرى في تاريخ فنزويلا، وقد يفتح فصلًا جديدًا في الصراع السياسي الداخلي والدولي.

اقرأ أيضًا: دماء كوبية في عملية مادورو.. هافانا تتهم واشنطن وتعلن الحداد الوطني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى