كُتاب الترند العربيعمر غازي

رأس المال الخوارزمي.. كيف تتحول البيانات إلى نفوذ اقتصادي؟

عمر غازي

في الربع الثالث من عام 2023 أعلنت شركة “ميتا” تحقيق إيرادات بلغت 34.15 مليار دولار، بزيادة سنوية تقارب 23% وفق بيانها المالي الرسمي، الجزء الأكبر من هذه الإيرادات جاء من الإعلانات الرقمية، أي من القدرة على توجيه المحتوى الإعلاني بدقة استنادًا إلى بيانات المستخدمين وسلوكهم السابق، هذه الأرقام لا تعكس مجرد نجاح تجاري، بل تكشف أن البيانات لم تعد موردًا تقنيًا، بل تحولت إلى أصل اقتصادي يُدار ويُستثمر ويُحوَّل إلى نفوذ.

في تقريرها السنوي لعام 2023 أعلنت شركة “ألفابت” المالكة لمحرك “جوجل” أن عائدات الإعلانات تجاوزت 237 مليار دولار، ما يمثل النسبة الأكبر من إيراداتها، هذا النموذج الاقتصادي لا يقوم على بيع المحتوى، بل على ترتيب الانتباه، فالخوارزمية تحلل سلوك البحث والمشاهدة والتفاعل، ثم تعيد تقديم الإعلانات والمحتوى بطريقة تزيد من احتمالية النقر والتحويل، ومع كل تفاعل جديد تتراكم طبقة إضافية من البيانات تعزز دقة الاستهداف، وهكذا يتحول السلوك البشري نفسه إلى مادة أولية في دورة إنتاج لا تنتهي.

في عام 2021 قدّر تقرير صادر عن “McKinsey Global Institute” أن البيانات أصبحت موردًا أساسيًا للقيمة في الاقتصاد الرقمي، وأن الشركات التي تمتلك بنية تحليل خوارزمية متقدمة تحقق تفوقًا تنافسيًا واضحًا في قطاعات متعددة، من التجارة الإلكترونية إلى الخدمات المالية، التقرير لم يتحدث عن رأس المال بالمعنى التقليدي المادي، بل عن أصول غير ملموسة قائمة على القدرة على جمع البيانات وتحليلها وتحويلها إلى قرارات دقيقة وسريعة، أي أن النفوذ لم يعد مرتبطًا فقط بحجم المصنع أو عدد الموظفين، بل بعمق الخوارزمية.

في عام 2019 نشرت مجلة “Harvard Business Review” تحليلًا بعنوان “Why Data Is the New Competitive Advantage” أشار إلى أن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك البيانات وحدها، بل في القدرة على تحويلها إلى رؤى قابلة للتنفيذ عبر نماذج خوارزمية، الفرق بين شركة وأخرى لا يُقاس بكمية البيانات المخزنة فقط، بل بمدى قدرتها على استخراج أنماط دقيقة منها وتحويلها إلى قرارات تسعير، وتوصية، وتنبؤ، ومع كل قرار ناجح تتعزز مكانتها في السوق.

هنا يظهر ما يمكن تسميته “رأس المال الخوارزمي”، وهو ليس مجرد بيانات، وليس مجرد خوارزمية، بل التراكم المنهجي لقدرة تحليلية تجعل البيانات مصدرًا دائمًا للقيمة الاقتصادية، تمامًا كما كان رأس المال الصناعي في القرن التاسع عشر قائمًا على الآلات، وكما كان رأس المال المالي قائمًا على التدفقات النقدية، فإن رأس المال الخوارزمي قائم على القدرة على تحويل السلوك البشري إلى توقعات دقيقة يمكن بيعها أو استثمارها أو توظيفها في توجيه السوق.

اللافت أن هذا النوع من رأس المال لا يقتصر على شركات التكنولوجيا الكبرى، بل يمتد إلى منصات التجارة، وتطبيقات النقل، وشركات البث الرقمي، وحتى المؤسسات المالية التي تعتمد على نماذج تقييم ائتماني خوارزمية، ففي كل مرة يُستخدم فيها سجل التصفح أو تاريخ الشراء أو نمط التفاعل لتحديد عرض معين أو سعر مختلف، نحن أمام توظيف مباشر لرأس المال الخوارزمي.

في تقرير “OECD Digital Economy Outlook 2022” أشارت المنظمة إلى أن تركز البيانات والقدرات التحليلية في عدد محدود من الشركات يخلق فجوة تنافسية متزايدة، لأن من يمتلك البنية الخوارزمية الأعمق يملك قدرة أكبر على جذب المستخدمين والمعلنين معًا، وهذه الدائرة المغلقة تعزز موقعه في السوق عامًا بعد عام، ما يعني أن النفوذ الاقتصادي لم يعد مرتبطًا فقط بالحصة السوقية، بل بعمق الخوارزمية التي تدير تلك الحصة.

رأس المال الخوارزمي يعمل إذن عبر ثلاث طبقات مترابطة، جمع البيانات، تحليلها بنماذج تنبؤية، ثم إعادة توظيف النتائج في السوق لتحقيق عائد أعلى، ومع كل دورة تتراكم المعرفة وتزداد دقة التوقع، فيتحول التفوق التقني إلى تفوق اقتصادي، ثم إلى نفوذ قادر على التأثير في سلوك المستهلكين وتوجيه قراراتهم دون إكراه مباشر.

الخطورة هنا لا تكمن في جمع البيانات بحد ذاته، بل في احتكار القدرة على تحويلها إلى قيمة، لأن من يملك الخوارزمية الأعمق يملك قدرة أكبر على تشكيل السوق، وتحديد الأسعار، وتوجيه الإعلانات، وربما التأثير في أنماط الاستهلاك على نطاق واسع، وهكذا يصبح النفوذ الاقتصادي امتدادًا طبيعيًا لقوة تحليلية غير مرئية.

يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: إذا كان رأس المال في عصر الصناعة هو المصنع، وفي عصر المال هو البنك، فهل أصبح في عصر المنصات هو الخوارزمية، وماذا يعني أن يتحول سلوكنا اليومي إلى مادة أولية في بناء نفوذ اقتصادي لا نراه، لكنه يعيد تشكيل السوق من حولنا كل يوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى