
كل شيء يعوّض.. إلاّ الأم
أحمد الظفيري
“تدفّى الدنيا برد.. يابعد زولي زولك.. هلا بربيع قلبي.. عساه خضرا وتونس وين ما وجّهت”
هكذا تتكلم الأمهات، وكأن اللغة خُلقت لأصواتهن.
كلمات بسيطة، بلهجة عفوية، تحمل في طياتها وطناً كاملاً.
الأم لا تمنح أبناءها الحياة مرة واحدة، تمنحهم إياها كل صباح.
تسكب الطمأنينة في أرواحهم حين يضيق الطريق، وتزرع في صدورهم يقيناً يشبه الضوء يمشي أمامهم في العتمات. وجودها حولنا يشبه النسيم؛ لا يُرى، غير أن أثره يلامس كل شيء، ويعيد ترتيب الفوضى في الداخل بهدوء عجيب.
وحين نغترب، نكتشف أن المدن مهما اتسعت تبقى أضيق من حضن أم.
نخطو في الشوارع، ننجز الأعمال، نبتسم للناس، غير أن في القلب مساحة لا يملؤها سوى صوتها. نشتاق لعبارة عابرة منها، لرسالة قصيرة، لدعوة تقول فيها: “الله يوفقك ويشرح صدرك”. عندها نفهم أن النجاح الذي نظنه من صنع أيدينا، كان ممتداً من كفيها المرفوعتين إلى السماء، وأن الطريق الذي مشيناه بثقة كان محفوفاً بدعواتها.
أمهاتنا لا يربيننا بالكلمات وحدها.. صبرهن مدرسة، ودعاؤهن طريق، ورضاهن بركة تسري في تفاصيل العمر. كم من خطوة ظننا أننا اخترناها بوعي كامل، ثم اتضح أن دعوة منها سبقتنا إليها. كم من تعثر كاد أن يكسرنا، ثم مرّ بسلام لأن قلباً هناك كان يستودعنا الله كل ليلة.
ومن هنا يتبدّى معنى الفقد.
الفقد يعلّم الإنسان حجم النعمة التي عاش في ظلها. رحيل الأم لا يغيّب وجهاً فحسب، يغيّب إيقاعاً كاملاً كانت تنتظم به الحياة. يتبدل معنى البيت، ويتغير طعم المناسبات، وتدخل الأعياد بشيء من الصمت. ومع ذلك يبقى أثرها ممتداً، كأنها تسكن فينا. نصغي لضميرنا فنسمع نبرتها، نضعف قليلاً فنستحضر قوتها، نرفع أكفّنا بالدعاء فنشعر أننا نكمل ما بدأته.
هذا المعنى أعادني إلى مقال د. ناصر البقمي المنشور في صحيفة عكاظ بعنوان “تأملات في الفقد.. أول رمضان في غيابها”، حيث كتب عن وجع الغياب وألم اللحظة الأولى التي يدخل فيها الشهر دون أن يقول: “الشهر عليك مبارك يا أم محمد”. كان نصاً يلامس تلك المنطقة العميقة التي يعرفها كل من جرّب الغياب.
الحقيقة يا دكتور ناصر أن الأم حين ترحل تترك في القلب مساحة لا تشبه أي مساحة. غير أن سيرتها تبقى عزاء، ويبقى برّ الأبناء امتداداً لرسالتها. وقد قال النبي ﷺ:
“إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.”
فأي فضل أعظم من ولدٍ يحمل الدعاء في قلبه كل يوم ويهديه لأمه؟ يكفيك أن تكتب عنها، أن تدعو لها، وأن نشاركك الدعوات الصادقة بأن يرحمها الله ويتغمدها بواسع رحمته.
أخيراً ..
أمهاتنا ربيع العمر.
إن حضرن ازدهرت الأيام، وإن غبن ظلّ عبيرهن عالقاً في الأرواح. فلنحفظ من بقيت بيننا، نقرّب المسافات بكلمة، ونختصر الغربة بزيارة، ونملأ أيامهن بما ملأن به أعمارنا من حب.
رحم الله من رحلت، وحفظ الله من بقيت، وجعلنا بررةً بهن في حياتهن، أوفياء لذكراهن بعد الرحيل.
المصدر: سبق



