عشاء قبل الغروب وصيام طويل ونوم عميق.. كيف يحافظ لواء متقاعد في الـ74 على نشاط لافت؟
الترند بالعربي – متابعات
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات الحياتية، وتزداد فيه معدلات الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط المعيشة، تبرز أحيانًا تجارب شخصية بسيطة في شكلها، عميقة في أثرها، قادرة على إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول علاقتنا بأجسادنا وصحتنا. تجربة اللواء الطيار الركن المتقاعد وعضو مجلس الشورى السابق عبدالله السعدون، البالغ من العمر 74 عامًا، واحدة من تلك التجارب التي لا تقوم على وصفة سحرية، ولا على علاجات معقدة، بل على انضباط يومي صارم في أبسط تفاصيل الحياة.
الرجل الذي يصف تجربته بأنها “توزن بالذهب” لا يتحدث من موقع التنظير، بل من موقع المعايشة اليومية لنتائج ملموسة: نشاط بدني واضح، سكر تراكمي منضبط، وزن مثالي، ونوم عميق يمتد لساعات طويلة. كلها مؤشرات صحية يصعب تحقيقها حتى لدى كثير من الأصغر سنًا، في وقت تحولت فيه الشيخوخة لدى البعض إلى مرادف للخمول والتعب والأدوية الدائمة.
العشاء المبكر.. نقطة التحول الأولى
يضع السعدون يده على نقطة يعتبرها حجر الأساس في تحوله الصحي، وهي الالتزام بتناول وجبة العشاء قبل الساعة السادسة مساءً. قد يبدو الأمر بسيطًا في ظاهره، لكنه في الواقع يتعارض مع نمط حياة شائع يعتمد على تأخير العشاء إلى ساعات متأخرة، غالبًا بعد يوم طويل من العمل أو الجلوس أمام الشاشات.
العشاء المبكر لا يعني فقط تقديم الوجبة في الوقت، بل يغيّر تلقائيًا طبيعة ما يؤكل. فحين يُحدد الإنسان لنفسه سقفًا زمنيًا مبكرًا، تقل فرص المقليات الثقيلة، والحلويات، والوجبات السريعة، التي غالبًا ما ترتبط بالسهر. هذا التحول وحده كفيل بتقليل الحمل الهضمي على الجسم، ومنح الأعضاء الداخلية فرصة أفضل للعمل بكفاءة.
وداع التمر والمقليات بلا حرمان
من النتائج المباشرة لهذا الانضباط الزمني، كما يروي السعدون، التخلي عن عادات غذائية مترسخة، مثل تناول التمر مع القهوة بعد صلاة المغرب، أو الإكثار من المقليات والحلويات. اللافت في حديثه أنه لا يصف الأمر كحرمان قاسٍ، بل كنتيجة طبيعية لتغيير نمط اليوم بالكامل.
حين يعتاد الجسد على نظام واضح، تتغير شهيته تلقائيًا، ويصبح أقل طلبًا للأطعمة الثقيلة. هذا التحول التدريجي، لا القسري، هو ما يمنح التجربة استدامتها، ويجعل الالتزام ممكنًا على المدى الطويل.
الصيام المتقطع.. تنظيف داخلي للجسم
العنصر الثاني في معادلة السعدون الصحية هو اعتماد الصيام المتقطع، من خلال تأخير الإفطار اليومي لفترة تتراوح بين 14 و16 ساعة. هذه المدة، كما يوضح، تمنح الجسم فرصة لما يشبه “التنظيف الداخلي”، حيث يدخل في حالة استهلاك للمخزون الزائد، ويعيد تنظيم عملياته الحيوية.
الصيام المتقطع لم يعد مفهومًا هامشيًا، بل أصبح محورًا للعديد من الدراسات التي تربطه بتحسين حساسية الإنسولين، وتنظيم الوزن، ودعم صحة القلب والدماغ. لكن السعدون يقدمه هنا ليس كمفهوم طبي معقد، بل كعادة يومية بسيطة، منضبطة، لا تحتاج إلا إلى قرار والتزام.
سكر تراكمي 5.5.. رقم يتحدث
من أبرز ما يلفت الانتباه في تجربة اللواء المتقاعد وصول معدل السكر التراكمي لديه إلى 5.5، وهو رقم يُعد مثاليًا حتى لدى غير المصابين بالسكري. هذا المؤشر لا يأتي صدفة، بل يعكس توازنًا دقيقًا بين التغذية، وفترات الصيام، والنشاط البدني.
في عالم يعاني فيه ملايين كبار السن من اضطرابات السكر، يقدّم هذا الرقم رسالة واضحة مفادها أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة تدهور المؤشرات الصحية، إذا ما أُحسن التعامل مع الجسد بوعي وانضباط.
الوزن المثالي.. نتيجة لا هدف
لا يتحدث السعدون عن الوزن المثالي كغاية بحد ذاتها، بل كنتيجة طبيعية لنمط حياة متوازن. حين تتنظم مواعيد الأكل، وتتحسن نوعية الطعام، وتُمنح فترات راحة للجهاز الهضمي، يتجه الوزن تلقائيًا إلى مستواه الصحي دون الحاجة إلى حميات قاسية أو حسابات مرهقة للسعرات.
هذا المنطق ينسف فكرة الصراع الدائم مع الميزان، ويعيد التركيز إلى السلوك اليومي بوصفه المحدد الحقيقي للنتائج.
نشاط بدني يتجاوز المشي
رغم أهمية المشي، يشدد السعدون على أن نشاطه البدني لا يقتصر عليه. زيادة الحركة، وتنويع النشاط، جزء أساسي من معادلته الصحية. الحركة المنتظمة تحافظ على الكتلة العضلية، وتحسن التوازن، وتدعم صحة القلب والمفاصل، وهي عناصر حاسمة مع التقدم في العمر.
المغزى هنا أن الجسد يحتاج إلى التحفيز المستمر، لا إلى الراحة المطلقة التي غالبًا ما تُساء فهمها على أنها “تقدير للعمر”.
نوم عميق من 7 إلى 9 ساعات
النوم هو الحلقة التي تكمل الدائرة. يصف السعدون نومه بأنه عميق، يمتد بين 7 و9 ساعات يوميًا. هذا النوع من النوم ليس رفاهية، بل ركيزة أساسية للصحة الجسدية والعقلية. النوم الجيد يرتبط بتنظيم الهرمونات، وتحسين الذاكرة، ودعم المناعة، وضبط الشهية.
العشاء المبكر والصيام الليلي يسهمان بشكل مباشر في تحسين جودة النوم، عبر تقليل الاضطرابات الهضمية، واستقرار مستويات السكر، ما يسمح للجسم بالدخول في مراحل النوم العميق بسلاسة.
الماء.. أفضل مشروب على وجه الأرض
في جانب آخر من حديثه، ينتقد السعدون ثقافة تقديم المشروبات الغازية مع الوجبات، واعتبارها مظهرًا من مظاهر الكرم. هذه المشروبات، كما يرى، مليئة بالسكر والأصباغ، ولا تقدم أي فائدة حقيقية للجسم.
يدعو بدلًا من ذلك إلى استبدالها بالماء أو اللبن، معتبرًا أن الماء هو “أفضل مشروب على وجه الأرض”. هذا الطرح يعيد تعريف الكرم من منظور صحي، حيث يكون تقديم ما ينفع الجسد أولى من إرضاء الذوق المؤقت.
الانضباط لا الحرمان
الخيط الناظم لكل ما يطرحه السعدون هو فكرة الانضباط، لا الحرمان. هو لا يدعو إلى حياة قاسية، بل إلى نظام واضح، يحترم احتياجات الجسد، ويمنحه ما يحتاجه دون إفراط أو تفريط.
هذا التمييز مهم، لأن كثيرين يفشلون في التغيير الصحي حين يربطونه بالحرمان القاسي، بينما التجارب المستدامة تقوم على التوازن.
التوكل مع الأخذ بالأسباب
في ختام حديثه، يؤكد السعدون أن الصحة نعمة تستحق كل ما يُبذل من أجلها، داعيًا إلى التوكل مع الأخذ بالأسباب، لا التواكل. هذه العبارة تلخص فلسفة متكاملة: الإيمان لا يتعارض مع السعي، والاعتماد على الله لا يلغي مسؤولية الإنسان تجاه جسده.
رسالة تتجاوز العمر
قصة لواء متقاعد في الرابعة والسبعين من عمره، يتمتع بهذا القدر من النشاط والانضباط، تحمل رسالة تتجاوز فئة عمرية بعينها. هي رسالة لكل من يظن أن التعب قدر محتوم، أو أن الشيخوخة تعني التراجع الحتمي.
التجربة تقول بوضوح إن الجسد يستجيب لمن يحترمه، مهما تقدم العمر، وإن التغيير الحقيقي يبدأ من قرارات صغيرة: موعد عشاء، كوب ماء، ساعة نوم.
نمط حياة لا وصفة سريعة
الأهم في هذه القصة أنها لا تقدم “ترندًا صحيًا” عابرًا، بل نمط حياة متكامل. لا مكملات سحرية، ولا برامج معقدة، بل التزام طويل النفس، يراكم نتائجه يومًا بعد يوم.
في زمن يبحث فيه كثيرون عن الحلول السريعة، تأتي هذه التجربة لتذكّر بأن الصحة تُبنى ببطء، لكنها حين تُبنى على أسس صحيحة، تدوم.
الأسئلة الشائعة
ما أبرز نصيحة صحية قدمها عبدالله السعدون؟
الالتزام بتناول العشاء قبل الساعة السادسة مساءً.
كم مدة الصيام التي يعتمدها يوميًا؟
بين 14 و16 ساعة ضمن نظام الصيام المتقطع.
ما معدل السكر التراكمي الذي وصل إليه؟
حوالي 5.5، وهو معدل مثالي.
كيف يصف نومه اليومي؟
نوم عميق يتراوح بين 7 و9 ساعات.
ما رأيه في المشروبات الغازية؟
ينتقد تقديمها ويدعو لاستبدالها بالماء أو اللبن.
في النهاية، ليست القصة عن رجل واحد، بل عن خيار متاح لكل من يقرر أن يمنح صحته أولوية حقيقية. حين يتحول الانضباط إلى أسلوب حياة، يصبح النشاط نتيجة طبيعية، لا معجزة نادرة.