كُتاب الترند العربيعمر غازي

الاختفاء.. دون أن نغادر

عمر غازي

في صباح عادي، دخل المكتب في موعده.
جلس حيث يجلس كل يوم، فتح الجهاز، تبادل التحية السريعة، وبدأ العمل.
لا شيء لافت.
وهذا كان مقصودًا.

كان موجودًا،
لكن دون حضور.

الاختفاء لا يعني الرحيل،
ولا القطيعة،
ولا الانسحاب المعلن.

هو أن تبقى في المكان،
لكن خارج دائرة التوقّع.

أن تمرّ دون أن يُسأل عنك،
أن تُنجز دون أن تُلاحَظ،
أن لا تكون مطالبًا بشرح نفسك في كل لحظة.

الظهور المستمر استنزاف صامت.
أن تكون مفهومًا طوال الوقت،
ومُتاحًا طوال الوقت،
ومطالبًا بردّ فعل دائم…
هذا شكل من أشكال الإرهاق لا يُسمّى.

في مرحلة ما،
لا يعود الاختفاء رغبة،
بل حاجة.

حاجة لأن تتوقف عن الأداء،
وعن تحسين صورتك،
وعن أن تكون نسخة مقروءة للجميع.

العالم لا يرى هذا النوع من الاختفاء.
يخلطه بالبرود،
أو التغيّر،
أو التجاهل المتعمّد.

ولا يخطر بباله أن ما يحدث أبسط من ذلك بكثير:
تعب من الظهور.

الاختفاء هنا ليس رفضًا للحياة،
ولا كرهًا للناس،
ولا انسحابًا من المسؤولية.

هو محاولة أخيرة للاحتفاظ بما تبقى منك
قبل أن يتحول الوجود نفسه إلى عبء.

وأخطر ما في الاختفاء…
أنك لا تترك المكان،
لكنّك تتوقّف عن الظهور فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى