
الفراغ.. حين يغيب الاحتمال
عمر غازي
في إحدى الليالي، دخل شخص أعرفه بيته متأخرًا.
الأنوار كما تركها، الغرفة في مكانها، الأصوات مألوفة.
ومع ذلك، شعر بشيء ناقص.
ليس شيئًا يمكن تسميته… فقط إحساس غامض بأن المكان أخفّ مما ينبغي.
تذكّر جملة قديمة نرددها دون تفكير:
“ترك فراغًا في حياتي”.
الغريب أننا نقولها حتى حين لا يتغيّر شيء عمليًا.
الشخص الذي غاب كان ينام مبكرًا،
وكان كلٌّ منا مشغولًا بعالمه،
نادرًا ما نتحدث طويلًا،
وأحيانًا لا نلتقي أصلًا في اليوم نفسه.
ومع ذلك…
حين غاب، امتلأ البيت بالفراغ.
هنا تحديدًا يبدأ الالتباس.
الفراغ ليس غياب الفعل،
ولا نقص الحوار،
ولا فقدان التفاصيل اليومية.
الفراغ هو غياب الاحتمال.
أن يكون هناك من يمكن أن يكون موجودًا،
حتى لو لم يكن حاضرًا بالفعل.
أن تعرف أن الباب، لو فُتح،
سيكون هناك صوت مألوف،
أو مجرد وجود صامت يطمئنك دون سبب منطقي.
لهذا نشعر بالامتلاء حتى في الصمت المشترك.
حتى حين يكون كل واحد منشغلًا بشاشته،
أو بنومه،
أو بأفكاره الخاصة.
الامتلاء لا يصنعه التفاعل…
يصنعه الشعور بأنك لست وحدك في الاحتمال.
وحين يغيب هذا الاحتمال،
لا يهم كم شيء بقي في مكانه،
ولا كم نشاط ملأ يومك.
يبقى الفراغ حاضرًا،
كأنه مساحة بلا جدران.
نقول: “هذا الشخص كمّل عليّ حياتي”.
ولا نعني أنه حلّ مشاكلنا،
أو ملأ وقتنا،
أو غيّر روتيننا.
نعني أنه جعل الحياة مكتملة الاحتمالات.
أقل هشاشة.
أقل فراغًا من الداخل.
لهذا يكون الفقد مربكًا.
لأنه لا يسرق منك شيئًا واضحًا،
بل يسرق ذلك الإحساس الخفي بأن هناك من يشترك معك في الوجود،
حتى دون مشاركة فعلية.
الفراغ، في جوهره،
ليس غياب الأشياء…
بل غياب المعنى الذي كانت تمنحه.



