كُتاب الترند العربي

الحنين لا يعني الندم

هلا خباز

“تتذكري لما أكلنا ساندويتش جبنة على الرصيف”، هي الذكرى التي لا نمل الحديث عنها كلما اجتمعنا، على الرغم من مرور ثلاثين عامًا على القصة، نستذكر فيها حرارة الخبز ونوع الجبنة التي أضفناها، وعلى أي رصيف جلسنا.. ابتسامة تتبعها تنهيدة لا أعرف كيف أصف عمقها وحرقتها سوى أنها قادمة من ذلك الزمان الذي نتمنى لو أننا لم نغادره يومًا.

نحن لم نشتق إلى المدينة التي قضينا فيها صيفنا وغادرناها، بقدر ما اشتقنا إلى الطريقة التي كنا عليها، إلى قراراتنا الفجائية وضحكات عيوننا السرية كي لا يكتشف أمرنا أحد.. نحن لا نفتقد الشوارع، بل خطواتنا فيها، نشتاق إلى نسخٍ كنّا نضحك فيها دون حساب، نقع دون توقع، وننهض دون أن نحصي عدد الإصابات.

الحنين الذي يعصف بنا بين الفينة والأخرى ليس استعادة للماضي بقدر ما هو مراجعة لعلاقتنا بأنفسنا وبالنسخ التي أصبحنا عليها الآن.. هناك نسخة قديمة منا، كنا نحمل العالم دون أن نشعر بثقله، لم نكن نفكك النوايا ولا نقرأ ما بين السطور، ولا نحمل الأشياء أكثر مما تحتمل.. كانت معرفتنا محدودة ولكنها لم تكن عبئًا، كنا نسخًا أقل وعيًا لكننا أكثر خفة.

في علم النفس، يُشار إلى أن زيادة الوعي لا تعني بالضرورة زيادة الرفاه.. الوعي يوسّع الرؤية، لكنه يوسّع أيضًا رقعة الأسئلة والقلق.. نحن بفضله نصبح أذكى في الفهم وأثقل في الشعور.

يروي أحد المعالجين قصة شائعة في الجلسات: شابة تقول إنها “اشتاقت لنفسها أيام الجامعة”، ليس لأن حياتها كانت أسهل ماليًّا أو اجتماعيًّا، بل لأنها لم تكن ترى الاحتمالات كلّها، لم تكن تعلم كم يمكن للأشياء أن تسوء.

لذلك، لم تكن تحرس قلبها بهذا القدر. يقول عالم النفس كارل يونغ: “الحمل الأثقل الذي يحمله الإنسان هو وعيه غير المتصالح”.

الثقة القديمة لم تكن سذاجة دائمًا، كنا نقدم حسن النوايا ونسلم الود دون ضمانات، نفترض الخير قبل أن يمد الآخر يديه بالدليل.

الثقة التي فقدناها، لم تُكسَر مرة واحدة، استنزفت ببطء وبتراكم المواقف والخيبات الصغيرة، الخذلان الذي أدركناه حينما نظرنا إلى المرآة طويلًا ونحن نحاول استعادة ملامحنا، بانحناءة ظهورنا ونحن نحاول السير مجددًا راسمين نصف ابتسامة، بالوعود غير المكتملة.. ومع كل تجربة، نُضيف طبقة حماية لأرواحنا.

نحن نشتاق لتلك النسخة التي كانت تُصافح العالم بكفّين مفتوحتين، قبل أن تتعلم أن تُبقي إصبعًا على زرّ الانسحاب، وقبل أن نبقي الباب مواربًا استعدادًا للهروب. للشاعرة والكاتبة الأميركية مايا أنجيلو مقولة تعجبني: “خيانة واحدة قد تجعلك حذرًا، لكن الإيمان بالبشر هو ما يجعلك إنسانًا”.

تطورنا وتطورت شخصياتنا ونضج وعينا وبقي السؤال المؤرق يلوح لنا دومًا: هل بلغنا السعادة بتطورنا؟
التطوّر يعني وضوحًا أكبر، ووضوح أكبر يعني تنازلات أقل، لكنّه يعني أيضًا براءة أقل.. نحن لا نصبح أكثر سعادة بالضرورة، بل أكثر اتساقًا مع أنفسنا. وهناك فرق مؤلم بين الأمرين.

أحد أشهر الأمثلة النفسية هو ما يُعرف بـ “مفارقة التقدّم: كلما تقدّم الإنسان في الوعي والاختيار، قلت مفاجآت الفرح، لأن المفاجآت غالبًا تأتي مع الجهل الجميل”.

الحنين الصحي لا يدعونا للعودة، بل للفهم.. نحن لا نسعى لأن نصبح أقل وعيًا بل نريد أن نستعيد خفتنا مع هذا الوعي. أن نتعلّم كيف نثق دون أن نُسلّم، وكيف نفهم دون أن نحمل كل شيء، وكيف نكبر دون أن نتخلّى عن دفئنا. الروائي الفرنسي مارسيل بروست كتب يومًا: “الحنين ليس إلى الماضي كما كان، بل كما نشعر أننا كنا فيه”.

لسنا نشتاق لأننا أخطأنا الطريق نحن نشتاق لأننا تغيّرنا، والتغيّر حين يكون صحيحًا يترك أثرًا، نشتاق إلى نسخ قديمة منّا، لا لأنّها أفضل، بل لأنّها كانت أقل عبئًا، أكثر تلقائية، وأقرب إلى لحظة لم تكن تعرف كل شيء.. لكنها كانت تعيشه.

والنضج الحقيقي؟ ليس أن نقتل تلك النسخ فينا، بل أن نُصالحها، ونسمح لها أن تمشي معنا، لا أمامنا، ولا خلفنا.

المصدر: جريدة البلاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى