شراكة جوية تعيد رسم خريطة الطيران في المنطقة.. تأسيس «طيران ناس سوريا» بملكية مشتركة
الترند بالعربي – متابعات
دخل التعاون الاقتصادي السعودي السوري مرحلة جديدة مع الإعلان الرسمي عن تأسيس شركة «طيران ناس سوريا» بملكية مشتركة، في خطوة وُصفت بأنها من أبرز مخرجات الشراكة الاستثمارية المتسارعة بين البلدين خلال الفترة الأخيرة، وتعكس انتقال العلاقات من مرحلة التنسيق السياسي والاقتصادي إلى مرحلة المشاريع الاستراتيجية ذات الأثر المباشر على البنية التحتية والاقتصاد الكلي.
وجرى توقيع الاتفاقية في العاصمة دمشق، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، بين الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا وشركة طيران ناس السعودية، لتأسيس ناقل جوي تجاري جديد يحمل اسم «طيران ناس سوريا»، على أن تبدأ عملياته التشغيلية خلال الربع الرابع من عام 2026، بعد استكمال جميع الإجراءات التنظيمية والفنية اللازمة.
هيكل الملكية ونموذج الشراكة
بحسب ما أُعلن رسميًا، ستتوزع حصص الملكية بواقع 51% للهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا، مقابل 49% لشركة طيران ناس، وهو نموذج شراكة يجمع بين الدور السيادي والتنظيمي للجانب السوري، والخبرة التشغيلية والاستثمارية للجانب السعودي، بما يضمن تحقيق توازن بين السيادة الوطنية والكفاءة الاقتصادية.
هذا النموذج يعكس توجهًا واضحًا نحو الشراكات الذكية، التي لا تقوم فقط على التمويل، بل على نقل المعرفة والخبرة وبناء القدرات التشغيلية، خصوصًا في قطاع معقد وحساس مثل الطيران المدني، الذي يتطلب التزامًا صارمًا بالمعايير الدولية للسلامة والأمن والجودة.
بداية تشغيلية بطموحات إقليمية ودولية
من المقرر أن تشغّل «طيران ناس سوريا» رحلاتها إلى عدد من الوجهات في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، مع التركيز في المرحلة الأولى على الخطوط ذات الطلب المرتفع، سواء لأغراض السفر التجاري أو العائلي أو الديني، إضافة إلى ربط سوريا مجددًا بشبكة الطيران الإقليمي والدولي بعد سنوات من التراجع الحاد في حركة النقل الجوي.
ويُنتظر أن يسهم الناقل الجديد في تحفيز الحركة الجوية من وإلى سوريا، وفتح آفاق جديدة للسفر منخفض التكلفة، بما يتماشى مع نموذج عمل «طيران ناس» المعروف في المنطقة، والذي يعتمد على الكفاءة التشغيلية وتوسيع قاعدة المسافرين.
دعم سعودي رسمي للاستثمار العابر للحدود
وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح أكد أن تأسيس «طيران ناس سوريا» يأتي ضمن إطار دعم الاستثمارات النوعية العابرة للحدود، مشيرًا إلى أن قطاع الطيران يُعد أحد الممكنات الرئيسية للتنمية الاقتصادية، نظرًا لدوره الحيوي في ربط الأسواق، وتحفيز السياحة، وتسهيل حركة الأعمال والاستثمار.
وأوضح الفالح أن المشروع يمثل نموذجًا للتعاون الاستثماري البنّاء، الذي يعزز التكامل الاقتصادي الإقليمي، ويدعم مستهدفات التنمية من خلال تطوير البنية التحتية للنقل الجوي، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويُسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي على مستوى المنطقة.
الرؤية السورية لإعادة بناء قطاع الطيران
من جانبه، أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا أن تأسيس «طيران ناس سوريا» يمثل خطوة استراتيجية ضمن رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء وتطوير قطاع الطيران المدني على أسس اقتصادية وتنظيمية حديثة، بعد سنوات من التحديات التي أثرت بشكل مباشر على هذا القطاع الحيوي.
وأشار إلى أن الشراكة مع طيران ناس تعكس توجه الدولة نحو نماذج تعاون مرنة مع شركاء إقليميين موثوقين، بما يضمن نقل الخبرات، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الربط الجوي لسوريا مع محيطها الإقليمي والدولي، بما يواكب أفضل الممارسات العالمية في صناعة النقل الجوي.
طيران ناس.. خبرة تشغيلية تراكمية
تُعد طيران ناس من أبرز شركات الطيران منخفض التكلفة في الشرق الأوسط، حيث بنت نموذجها التشغيلي على التوسع المدروس، وتحديث الأسطول، والالتزام بمعايير السلامة والجودة، ما جعلها لاعبًا رئيسيًا في سوق الطيران الإقليمي.
رئيس مجلس إدارة طيران ناس، عايض الجعيد، وصف تأسيس «طيران ناس سوريا» بأنه لحظة تاريخية في مسيرة الشركة، ونموذج استثماري واعد يعكس قدرتها على التوسع الدولي عبر شراكات استراتيجية مدروسة، مؤكدًا أن الشركة ماضية في رسم استراتيجيات نمو طويلة الأمد، تستهدف أسواقًا واعدة ذات طلب حقيقي.
أثر اقتصادي مباشر وغير مباشر
اقتصاديًا، لا يقتصر أثر تأسيس «طيران ناس سوريا» على قطاع النقل الجوي فحسب، بل يمتد ليشمل قطاعات متعددة، في مقدمتها السياحة، والخدمات اللوجستية، والتجارة، والاستثمار العقاري، وقطاع الضيافة، حيث يُتوقع أن يؤدي تحسن الربط الجوي إلى زيادة حركة المسافرين، وتنشيط الطلب على الفنادق والخدمات المرتبطة بالسفر.
كما يُنتظر أن يسهم المشروع في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، سواء في مجال الطيران نفسه، أو في القطاعات المساندة، مع التركيز على تدريب وتأهيل الكوادر السورية، ونقل الخبرات التشغيلية والإدارية، بما يعزز من رأس المال البشري المحلي.
الطيران كرافعة للتعافي الاقتصادي
يُنظر إلى قطاع الطيران عالميًا بوصفه رافعة أساسية للتعافي الاقتصادي، خاصة في الدول التي تسعى لإعادة الاندماج في الاقتصاد الإقليمي والدولي. وفي الحالة السورية، يمثل إطلاق ناقل جوي جديد بشراكة إقليمية قوية إشارة واضحة على عودة تدريجية للثقة الاستثمارية، وفتح قنوات جديدة للتواصل الاقتصادي.
هذا البعد يتجاوز الأرقام التشغيلية، ليعكس رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن مرحلة جديدة بدأت، تعتمد على الاستثمار والتنمية بدلًا من الاعتماد على المساعدات قصيرة الأجل.
انسجام مع الحراك الاستثماري الأوسع
تأسيس «طيران ناس سوريا» لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع من الاتفاقيات الاستثمارية التي جرى توقيعها مؤخرًا بين السعودية وسوريا، والتي شملت قطاعات الاتصالات، والمياه، والبنية التحتية، والطاقة، والتطوير العقاري، بقيم تجاوزت عشرات المليارات من الريالات.
هذا التكامل بين المشاريع يعزز فرص نجاح كل مشروع على حدة، حيث يُسهم تطوير المطارات والبنية التحتية في دعم تشغيل شركة الطيران، بينما يدعم النقل الجوي بدوره نجاح المشاريع السياحية والتجارية الأخرى.
تحديات متوقعة ومعالجة استباقية
رغم التفاؤل الكبير بالمشروع، إلا أن قطاع الطيران بطبيعته يواجه تحديات متعددة، تشمل التكاليف التشغيلية المرتفعة، وتقلبات أسعار الوقود، والالتزام الصارم بالمعايير الدولية، إضافة إلى المنافسة الإقليمية.
غير أن وجود شريك تشغيلي بحجم وخبرة طيران ناس، إلى جانب الدعم الحكومي والتنظيمي من الجانب السوري، يوفر قاعدة صلبة لمعالجة هذه التحديات بشكل استباقي، عبر التخطيط المرحلي، وتحديث الأسطول، واعتماد نماذج تشغيل مرنة.
انعكاسات على الربط العربي
على المستوى العربي، يُتوقع أن تسهم «طيران ناس سوريا» في تعزيز الربط الجوي بين العواصم والمدن العربية، بما يدعم حركة الأفراد ورجال الأعمال، ويُعيد تنشيط خطوط كانت مجمدة أو محدودة خلال السنوات الماضية.
هذا الربط لا يحمل بعدًا اقتصاديًا فقط، بل يعزز أيضًا الروابط الاجتماعية والثقافية، ويُسهم في إعادة دمج سوريا في محيطها العربي بشكل عملي وملموس.
قراءة في التوقيت والدلالات
يأتي الإعلان عن تأسيس الشركة في توقيت يحمل دلالات مهمة، في ظل تسارع وتيرة الاتفاقيات الاستثمارية، وارتفاع مستوى التنسيق الاقتصادي بين البلدين. هذا التوقيت يعكس رغبة مشتركة في تحويل الزخم السياسي إلى مشاريع تنموية مستدامة، ذات أثر طويل الأمد.
كما أن اختيار قطاع الطيران تحديدًا يعكس إدراكًا لأهميته كقاطرة لقطاعات أخرى، وكأداة فعالة لإعادة فتح قنوات التواصل الاقتصادي والسياحي.
نحو نموذج إقليمي جديد
يمكن النظر إلى «طيران ناس سوريا» كنموذج إقليمي جديد للشراكات في قطاع الطيران، يقوم على تقاسم المخاطر والعوائد، وتكامل الأدوار بين القطاعين العام والخاص، بدلًا من النماذج التقليدية التي تعتمد على التمويل الحكومي الكامل أو الخصخصة المطلقة.
هذا النموذج قد يشجع دولًا وشركات أخرى على تبني صيغ مشابهة، خصوصًا في أسواق تمر بمرحلة إعادة هيكلة أو تعافٍ اقتصادي.
رسالة ثقة للأسواق والمستثمرين
إطلاق شركة طيران جديدة بشراكة سعودية سورية يحمل رسالة ثقة قوية للأسواق والمستثمرين، مفادها أن البيئة الاستثمارية تشهد تحسنًا ملموسًا، وأن هناك إرادة سياسية واقتصادية لدعم المشاريع الكبرى، وتوفير الأطر التنظيمية اللازمة لنجاحها.
هذه الرسالة لا تقتصر على قطاع الطيران، بل تمتد لتشمل مختلف القطاعات التي تبحث عن استقرار تشريعي وشراكات موثوقة.
آفاق مستقبلية مفتوحة
مع بدء العمليات التشغيلية المرتقبة في الربع الرابع من 2026، ستتجه الأنظار إلى الأداء الفعلي للشركة، وقدرتها على تحقيق التوازن بين التوسع والنمو المستدام. التوقعات تشير إلى إمكانية إضافة وجهات جديدة تدريجيًا، وتوسيع الأسطول وفق الطلب، بما يعزز من حضور الشركة في السوق الإقليمي.
كما يُنتظر أن تُسهم التجربة في فتح الباب أمام استثمارات إضافية في قطاع الطيران والخدمات المساندة، ضمن منظومة اقتصادية متكاملة.
خلاصة المشهد
تأسيس «طيران ناس سوريا» ليس مجرد إعلان عن شركة طيران جديدة، بل هو مؤشر على تحول أعمق في مسار العلاقات الاقتصادية الإقليمية، ونموذج عملي لكيفية توظيف الشراكات الاستثمارية في دعم التعافي والتنمية.
النجاح المتوقع لهذا المشروع سيعتمد على حسن التنفيذ، والالتزام بالمعايير الدولية، واستمرار الدعم المؤسسي، لكنه في جميع الأحوال يمثل خطوة متقدمة في طريق إعادة بناء قطاع الطيران، وربط سوريا مجددًا بالعالم عبر أجنحة استثمارية عربية.
الأسئلة الشائعة
متى تبدأ عمليات «طيران ناس سوريا»؟
من المقرر أن تبدأ عملياتها التشغيلية في الربع الرابع من عام 2026.
كيف تتوزع ملكية الشركة؟
51% للهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا، و49% لشركة طيران ناس.
ما أبرز الوجهات المتوقعة؟
وجهات في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، وفق خطة تشغيل مرحلية.
ما الهدف الاقتصادي للمشروع؟
تعزيز الربط الجوي، دعم التعافي الاقتصادي، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
هل المشروع جزء من شراكات أوسع؟
نعم، يأتي ضمن حزمة اتفاقيات واستثمارات استراتيجية بين السعودية وسوريا تشمل قطاعات متعددة.
اقرأ أيضًا: هجرة الحريد إلى فرسان… ظاهرة بحرية سنوية تصنع مشهدًا بيئيًا نادرًا في السعودية


