سياسةالعالم العربيسياسة العالم

السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء

الترند بالعربي – متابعات

في خطوة وُصفت بأنها من أكثر التحولات الاجتماعية حساسية في المملكة خلال العقود الأخيرة، بدأت السعودية بهدوء تطبيق سياسة تسمح لفئة محدودة من المقيمين الأجانب غير المسلمين بشراء المشروبات الكحولية ضمن ضوابط صارمة، بعد حظر استمر أكثر من سبعين عاماً.

هذا التغيير لم يُعلن عنه بوصفه قراراً سياسياً كبيراً، بل جاء تدريجياً وفي إطار تنظيمي محدود، لكنه مع ذلك أثار نقاشاً واسعاً حول مسار الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

التحول الجديد لا يعني إلغاء الحظر العام على الكحول داخل المجتمع السعودي، بل يمثل استثناءً موجهاً لفئات محددة من الأجانب، ضمن رؤية أوسع لإعادة صياغة البيئة الاستثمارية وجعلها أكثر جاذبية للكفاءات الدولية ورؤوس الأموال العالمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الإطار الثقافي والديني العام للمجتمع.

السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء
السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء

الحي الدبلوماسي كنقطة انطلاق للتجربة
الحي الدبلوماسي في الرياض كان تاريخياً مساحة مختلفة نسبياً عن بقية المدينة. فهو يضم سفارات ومقار بعثات دولية ومجمعات سكنية راقية للوافدين، إضافة إلى مرافق ثقافية ومقاهٍ ومطاعم ذات طابع عالمي. لذلك لم يكن من المستغرب أن يبدأ التطبيق المحدود لبيع الكحول من داخل هذا الحيز الجغرافي الذي يستضيف أعداداً كبيرة من الدبلوماسيين والأجانب.

داخل أحد المجمعات السكنية في هذا الحي، يعمل متجر صغير بتصاريح خاصة كنقطة بيع منظمة ومراقبة. الوصول إليه ليس مفتوحاً للجميع، بل يخضع لشروط دقيقة تتعلق بالهوية والدخل ونوع الإقامة.

حظر تاريخي استمر منذ الخمسينيات
حظرت السعودية بيع واستهلاك الكحول منذ عام 1952، في إطار تشريعات مستمدة من الشريعة الإسلامية التي تحرم الخمر. ومنذ ذلك الوقت ارتبطت صورة المملكة عالمياً بصرامتها في هذا الملف مقارنة بدول أخرى في المنطقة.

طوال تلك العقود، كان التعامل مع الكحول يتم عبر القنوات الدبلوماسية فقط لبعض البعثات الأجنبية، ولم يكن هناك سوق بيع قانوني داخل البلاد.

السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء
السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء

رؤية 2030 وتغيير الصورة الذهنية
خلال السنوات الأخيرة، تبنّت السعودية مساراً إصلاحياً واسعاً ضمن رؤية 2030، شمل قطاعات الترفيه والسياحة والاقتصاد والاستثمار. أعيد فتح دور السينما بعد عقود من الإغلاق، وأُطلقت مواسم ترفيهية ومهرجانات موسيقية ورياضية عالمية، كما توسعت مشاركة المرأة في سوق العمل وقيادة السيارات.

في هذا السياق، ينظر بعض المحللين إلى تنظيم بيع الكحول لفئات محدودة من الأجانب بوصفه جزءاً من إعادة تشكيل الصورة الدولية للمملكة كوجهة استثمارية منفتحة وقادرة على استيعاب أنماط حياة متعددة للوافدين، دون أن يعني ذلك تغييراً في القيم الأساسية للمجتمع المحلي.

شروط صارمة للحصول على الحق في الشراء
السياسة الجديدة لا تسمح لأي مقيم أجنبي بشراء الكحول. فالمؤهلون هم غير المسلمين فقط، ويجب أن يكونوا من ذوي الدخل المرتفع. من بين الشروط امتلاك إقامة مميزة مرتفعة التكلفة أو إثبات دخل شهري كبير.

هذا الإطار يعكس توجهاً لتقييد الاستفادة ضمن شريحة صغيرة، وليس فتح السوق بشكل واسع.

انفتاح اقتصادي أكثر منه اجتماعياً
كثير من المراقبين يرون أن الدافع الأساسي اقتصادي واستثماري. فالمملكة تسعى لجذب شركات عالمية ومقار إقليمية وكفاءات دولية عالية الدخل. توفير بيئة معيشية مريحة لهذه الفئات يُعد عاملاً تنافسياً في سوق استقطاب المواهب العالمية.

بالتالي، يُقرأ القرار ضمن سياسة تحسين بيئة الأعمال أكثر من كونه تحولاً اجتماعياً داخلياً.

السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء
السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء

الجدل بين الواقعية والمحافظة
أي تغيير يتعلق بالكحول في بلد محافظ دينياً واجتماعياً يثير بطبيعة الحال نقاشات واسعة. هناك من يرى الخطوة واقعية ومنسجمة مع التحولات الاقتصادية، وهناك من يتحفظ عليها انطلاقاً من اعتبارات دينية وثقافية.

لكن حتى الآن، يبدو أن الطابع المحدود والمنظم للتجربة خفف من حدة الجدل داخل المجتمع المحلي.

السياحة الدولية عامل ضغط إضافي
مع توسع قطاع السياحة في السعودية واستهداف ملايين الزوار سنوياً، يطرح بعض المحللين سؤالاً حول ما إذا كانت السياسات قد تتطور مستقبلاً لتشمل مناطق سياحية مخصصة. إلا أن هذا يبقى في إطار التوقعات، إذ لا توجد مؤشرات رسمية على تعميم التجربة.

إدارة التغيير بأسلوب تدريجي
اللافت في كثير من التحولات السعودية الأخيرة هو الأسلوب التدريجي. التغييرات لا تُطرح دفعة واحدة، بل عبر تجارب محدودة ومناطق معينة وتحت رقابة تنظيمية.

هذا الأسلوب يسمح بقياس ردود الفعل والتأثيرات قبل أي توسع محتمل.

السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء
السعودية ترفع الحظر المفروض على بيع الكحول للأجانب الأثرياء

البعد القانوني والتنظيمي
تنظيم بيع الكحول يتطلب أطر رقابية دقيقة تتعلق بالاستيراد والتخزين والبيع والضرائب والرقابة الصحية. لذلك فإن أي سياسة في هذا المجال ترتبط ببنية تنظيمية متكاملة.

وجود متجر واحد أو عدد محدود من النقاط الخاضعة للرقابة يسهّل إدارة هذا الجانب.

تأثير على صورة المملكة عالمياً
على الصعيد الدولي، يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها إشارة إضافية على التحول الذي تشهده السعودية. بعض وسائل الإعلام الغربية تناولتها كدليل على انفتاح اجتماعي متزايد، بينما ركزت تحليلات أخرى على بعدها الاقتصادي.

في كل الأحوال، تظل الصورة العامة للمملكة مرتبطة بمسار إصلاحي واسع يتجاوز ملف الكحول وحده.

الفصل بين المواطن والمقيم
السياسة الحالية تفصل بوضوح بين المواطنين السعوديين والمقيمين الأجانب. فهي لا تمنح أي استثناء للمواطنين، ما يؤكد أن الإطار الديني والاجتماعي المحلي ما زال المرجعية الأساسية.

هذا الفصل يساعد في احتواء أي حساسيات داخلية.

تجارب دولية مشابهة
بعض الدول ذات الخلفية المحافظة طبقت نماذج مشابهة تسمح بالكحول في مناطق محددة أو لفئات معينة. هذه النماذج غالباً ما تكون مرتبطة بالسياحة أو الدبلوماسية أو المناطق الاقتصادية الخاصة.

السعودية تبدو وكأنها تختبر صيغة خاصة بها ضمن سياقها المحلي.

التوازن بين الهوية والانفتاح
التحدي الأكبر في مثل هذه السياسات هو تحقيق توازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية وبين متطلبات الاقتصاد العالمي. السعودية تحاول صياغة نموذج يجمع بين الأمرين دون صدام مباشر.

هذا التوازن هو محور كثير من قراراتها الإصلاحية.

هل هي بداية لتغييرات أكبر؟
السؤال الذي يطرحه كثيرون هو ما إذا كانت هذه الخطوة تمهّد لتغييرات أوسع. الإجابة غير واضحة حتى الآن، إذ تؤكد المؤشرات أن السياسة الحالية محدودة ومقيدة.

لكن مسار الإصلاحات السعودية خلال السنوات الماضية أظهر أن التغيير غالباً ما يأتي تدريجياً.

دور القيادة في رسم المسار
الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في السعودية مرتبطة بشكل كبير برؤية القيادة السياسية لمستقبل الاقتصاد الوطني. تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط يتطلبان بيئة أعمال عالمية.

من هنا تأتي بعض القرارات التي قد تبدو غير مألوفة مقارنة بالماضي.

الجانب الثقافي والديني حاضر دائماً
رغم كل التحولات، ما زال الخطاب الرسمي يؤكد على الهوية الإسلامية للمملكة. لذلك فإن أي سياسة جديدة تُصاغ بعناية لتجنب تعارض مباشر مع القيم الدينية السائدة.

هذا يفسر الطابع المحدود والحذر للخطوة.

هل أصبح الكحول متاحاً للجميع في السعودية؟
لا، الإتاحة مقتصرة على فئات محددة من المقيمين الأجانب غير المسلمين.

هل يمكن للسعوديين الشراء؟
لا، الحظر ما زال قائماً للمواطنين.

هل الخطوة رسمية ومعلنة؟
هي سياسة مطبقة تنظيمياً لكن دون حملات إعلان واسعة.

هل تشمل السياح؟
حتى الآن لا توجد سياسة معلنة تسمح بذلك.

ما الهدف الأساسي؟
تحسين البيئة الاستثمارية وجذب الكفاءات الدولية.

في المحصلة، تعكس هذه الخطوة فصلاً جديداً في مسار التحولات السعودية، حيث تحاول المملكة إعادة تعريف علاقتها بالعالم اقتصادياً وثقافياً، عبر سياسات محسوبة لا تصطدم مباشرة بالبنية الاجتماعية المحلية. وبين الواقعية الاقتصادية والمحافظة الثقافية، تمضي الرياض في رسم نموذجها الخاص للتغيير.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى