
فلسفة الإرشاد الأسري
عصام محمد عبدالقادر
تكوين الشخصية في إطارها الأولي يقع على عاتق الأسرة؛ لذا نعول عليها أن يتفاعل أفرادها مع قضايا المجتمع ويصبحوا قادرين على المشاركة، ويمتلكون رؤى بناءة ولديهم معارف أصيلة تعزز الوعي في صورته الرشيدة، وندرك أن غياب الرعاية المتمثلة على وجه الخصوص في التوجيه والإرشاد يؤدي إلى سلبيات نحن في غنى عنها؛ فقد نرى بأم العين إنسان يغلب عليه القلق، والحيرة، والشك، لا يمتلك ثقة في النفس، ولا الآخرين، قد يكون عصابيًا، أو منسحبًا، أو انطوائيًا، أو حتى هشًا لا يستطيع المواجهة، أو عدوانيًا يفرط في انفعالاته؛ ومن ثم لا نغالي عندما نؤكد على أهمية صيانة المكون الأسري بمزيد تعزيز من التواصل؛ لنتحول من المعارك الصفرية، التي نشاهدها دوريًا عبر الشاشات، أو المواقع الرقمية، ونفتح مجالًا للنمو لفرد يوظف ملكاته في التنمية.
أرى أن فلسفة الإرشاد الأسري وضحة المعالم؛ حيث الذهاب لنقاط التمكين بدل من الترهل، والانفكاك، والضعف، وتحقيق التوزان بعيدًا عن الارتباك وحالة الفوضى، سواء داخل الفرد، أو بمحيط الأسرة، وهذا يعني الوحدة العضوية والنفسية؛ فالجميع كشخص واحد؛ إذا ما تعرض لنصب، أو تعب، أو ما يكدر صفوه، ويغير مزاجه، تبدأ العاطفة في إطارها السوي مساندة له، وهذا يعبر عن صورة للوقاية قبل الوصول لمرحلة العوز؛ ومن ثم نستقر على قاعدة في التربية الأسرية، تتمثل في أن تكلفة البناء، أقل من أن نقدم علاجات نرمم بها سلبيات، أو فجوات، أحدثتها مواقف متكررة، وأثرت على وجدان الإنسان في مرحلة حرجة من حياته، وبالتالي نقر بأن الاستشارات العائلية، تعد مسارًا قويمًا للاستثمار في رأس المال البشري دون مواربة.
لدى قناعة بأن الإرشاد الأسري يؤسس على فكرة التمكين في المقام الأول، ولا يرتكن على دعوات العوز، بمعني أن الإنسان إذا ما توافرت له المعرفة الصحيحة، وما يتقارن معها من سلوك قويم، وقناعة نابعة من الوجدان؛ فإنه قادر على تجاوز مرحلة المعاناة، بل، يستطيع أن يستكمل مسيرة الحياة، ولديه من الأدوات، التي تقوي عضده، وتشحذ ذهنه، وتحفز مسارات التفكير وأنماطه؛ ومن ثم يستشعر ثقته بذاته، ويعبر كافة العثرات في حياته، وهنا ندرك عزيمة الإصرار والمثابرة؛ من أجل أن يحقق مراده، متسلحًا بالابتكار ومهاراته النوعية في الوصول إلى غايات كبرى.
أجمل ما في فلسفة الإرشاد الأسري، أن ترى الجميع داخل الوطن الصغير لديه قناعة بأنه شريك أصيل في كل أمر وقضية وشأن، يتم تناوله بين أفراد هذا المجتمع المتحاب المتآلف، كما أن العلاقة تحكمها مسؤوليات موزعة على قدر ما يمتلك الفرد من مقومات وقدرات خاصة؛ ومن ثم لا صراع على سلطة، ولا استعرض لقوة، ولا هيمنة، ولا سيطرة؛ فهناك احتواء، وتقبل، وود، يذيب صور التباين، ويقضي على أشكال الصراع في مهدها؛ فماهية الكرامة تبدو في سياقها الجمعي؛ فلا تقبل لامتهان، أو لسخرية، أو لتقليل من الشأن، أو القدر؛ لأن الجذور عميقة، والدعم يطال الجميع، والتقويم لا يتوقف عند باب أحد بعينه؛ فالكل يخضع للمراجعة، وفق ماهية الانتماء والولاء لهذا الكيان العزيز على نفوس منتسبيه.
فلسفة الإرشاد الأسري، تؤكد على أن العزلة طريق محفوف بالمخاطر، ويؤدي بنا إلى السقوط في بئر الإحباط، ويعظم من لغة الأنا لدى جميع منتسبي هذا الكيان، ويزيد من سياج النرجسية، ويكشف عن سلبيات تؤكدها ممارسات غير مقبولة؛ ومن ثم يتأتى الحفاظ على كينونة الوطن الصغير من قبيل المراجعة، التي يستعيد من خلالها الإنسان سيطرته على ذاته؛ فلا يسمح للنفس بالجموح، ولا يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه؛ كي يشاهد الآخرين تفاصيله الدقيقة، وينتهك خصوصيته؛ لذا لا مناص عن وظيفية التكامل المؤدية إلى الاستقرار والمعززة للتناغم، بما يخدم الكل لا الفرد، وبما يحسن أطر التعامل، لا يحقق مآرب على حساب الآخرين، وبما يفتح بابًا للنقاش، لا الجدال؛ من أجل أن تتلاقى الرؤى تحت مظلة جامعة، تحافظ على مقدرات هذا البنيان المجتمعي العائلي.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
المصدر: اليوم السابع



