كُتاب الترند العربيعمر غازي

التبلّد

عمر غازي

في لحظة ما، تلاحظ أن الأشياء لم تعد تفعل ما كانت تفعله سابقًا.
الأخبار تمرّ، الصور تُعرض، القصص تتكرر، ولا يحدث في الداخل شيء يُذكر.
لا صدمة، لا انفعال، لا رغبة حقيقية في التوقف عند أي شيء.

تكتشف أنك ما زلت تقوم بكل ما يُفترض أن تقوم به:
تستيقظ، تعمل، تتحدث، تضحك في المواضع المناسبة،
لكن دون إحساس واضح بأنك حاضر فعلًا.

هذا ليس حزنًا.
الحزن واضح ومؤلم ويمكن تسميته.
أما التبلّد، فهو أكثر هدوءًا، وأكثر إرباكًا.
حالة تسمح لك بالاستمرار…
لكنها تسحب منك الرغبة في الاستمرار.

كل شيء أصبح مكشوفًا أكثر من اللازم.
النجاح، الفشل، المقارنات، الكوارث، التفاصيل الخاصة للآخرين.
لا مسافة آمنة بينك وبين أي شيء.
العقل يتلقى كل هذا بلا توقف،
وفي لحظة دفاع صامتة، يقرر أن يقلل الإحساس.

ليس لأنك لا تهتم،
بل لأن الاهتمام صار مكلفًا جدًا.

التبلّد لا يظهر فجأة،
بل يتكوّن ببطء.
مع كل مرة كان يُفترض أن تتأثر فيها ولم يكن لديك وقت،
مع كل مرة شعرت فيها بشيء ثم اضطررت لتجاوزه سريعًا،
مع كل مرة قارنت نفسك بغيرك ثم أقنعت نفسك أن الأمر عادي.

تصل إلى مرحلة غريبة:
لا شيء يوجعك كثيرًا،
ولا شيء يفرحك كثيرًا.
كل شيء متساوٍ…
وهذا التساوي ليس سلامًا.

العالم يحب ردود الفعل.
يتوقع انفعالك، غضبك، حماسك، رأيك السريع.
وحين لا تعطيه ذلك، يبدو الأمر وكأنك بلا مشاعر،
بينما الحقيقة أبسط وأقسى:
المشاعر استُهلكت قبل أن تُفهم.

التبلّد ليس عيبًا أخلاقيًا،
ولا خللًا في الشخصية.
هو نتيجة طبيعية لحياة بلا فواصل،
ولا وقت للتفكير،
ولا مساحة للمعنى.

أخطر ما في التبلّد أنه لا يصرخ.
يجعلك تشك في نفسك بهدوء.
تسأل:
هل المشكلة فيّ؟
أم أن هذا هو الحد الأقصى لما يمكن الشعور به الآن؟

لا إجابة جاهزة.
ولا نصيحة سهلة.

لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا:
التبلّد ليس موت الإحساس…
بل طريقته الأخيرة في حماية نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى