كُتاب الترند العربيعمر غازي

النجاة الاجتماعية

عمر غازي

في مرحلة ما، تكتشف أنك لم تعد تحاول أن تكون نفسك.
أنت فقط تحاول أن تبدو طبيعيًا.

لا أحد يشرح لك هذا التحول، ولا يوجد إعلان رسمي يخبرك أنك دخلت مرحلة “النجاة الاجتماعية”.
كل ما يحدث أنك تتعلم، بهدوء، متى تبتسم، ومتى تصمت، ومتى تهز رأسك موافقًا دون أن توافق فعلًا.

أول درس في النجاة الاجتماعية هو أن الاختلاف مكلف.
ليس لأنه خطأ، بل لأنه مرهق للآخرين.
والآخرون، كما نعرف، لا يحبون التعب.

تتعلم أن تخفف من حماسك، أن تؤجل أسئلتك الثقيلة، أن لا تقول كل ما تفكر فيه، ليس نفاقًا، بل حفاظًا على سير اليوم بسلاسة.

شيئًا فشيئًا، تتحول المحادثات إلى طقوس.
أسئلة محفوظة، إجابات متوقعة، ضحكات في توقيت مناسب.
وأنت تؤدي الدور بإتقان، كأنك ممثل محترف في مسرحية لا تحبها، لكنها مستمرة.

الغريب أن هذا لا يجعلك كاذبًا.
يجعلك حذرًا.

الحذر من أن تُساء فهِمك، أو أن تُصنّف، أو أن تصبح “ذلك الشخص الصعب” الذي لا يعرف كيف يندمج.

فن النجاة الاجتماعية لا يُدرّس، لكنه يُمارَس يوميًا.
في العمل، في العائلة، في الصداقات التي استمرت أكثر مما ينبغي.

أنت لا تقول الحقيقة كاملة، ولا تكذب تمامًا.
تختار نسخة وسطى، آمنة، قابلة للاستهلاك.

والأغرب أنك تتقن هذه النسخة لدرجة أنك أحيانًا تصدقها.
ثم، في لحظة هادئة، تسأل نفسك:
متى أصبحتُ أشرح نفسي أقل… وأمثل أكثر؟

النجاة الاجتماعية لا تعني أنك ضعيف.
تعني أنك فهمت القواعد غير المكتوبة.
أن الحياة لا تكافئ الصادق دائمًا، ولا تعاقب الممثل بانتظام.

لكن لكل فن ثمنه.

ثمن النجاة الاجتماعية هو ذلك التعب الخفيف الذي لا يزول.
ذلك الإحساس بأنك حاضر جسديًا، غائب ذهنيًا.
وأنك مقبول… لكن ليس معروفًا.

ربما أخطر ما في الأمر أنك تتقن النجاة،
لكن تنسى كيف تعيش.

ومع ذلك، نواصل.
نلبس القناع المناسب، وندخل المشهد، ونؤدي دور “الطبيعي” ببراعة.

ليس لأننا نحب التمثيل، بل لأن الخروج من المسرح يتطلب شجاعة لا نملكها كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى