
الخوارزميات التي تصنع الذكريات.. كيف تعيد المنصات الرقمية تشكيل الذاكرة الجماعية؟
عمر غازي
في عام 2022 نشر باحثون من جامعة “Princeton” ومعهد “Massachusetts Institute of Technology” دراسة حللت انتشار الأخبار عبر الإنترنت خلال أكثر من عقد، وأظهرت أن الأخبار التي تحظى بانتشار واسع على المنصات الرقمية لا تمثل بالضرورة الأحداث الأكثر أهمية في الواقع، بل الأحداث الأكثر قدرة على الانتشار الخوارزمي، أي تلك التي تثير العاطفة أو الجدل أو المفاجأة، لم تكن النتيجة مجرد ملاحظة حول طبيعة المحتوى الرقمي، بل إشارة إلى تحول أعمق في الطريقة التي تتشكل بها الذاكرة العامة للمجتمعات، فالأحداث التي تتكرر أمامنا أكثر تصبح مع الوقت الأحداث التي نتذكرها أكثر.
عبر التاريخ كانت الذاكرة الجماعية تتشكل من خلال مؤسسات محددة مثل الصحافة والكتب والتعليم، وكانت هذه المؤسسات تعمل وفق معايير تحريرية واضحة تحدد ما يستحق أن يُحفظ في الذاكرة العامة، لكن مع صعود المنصات الرقمية لم يعد ترتيب الأحداث في المجال العام يخضع فقط لقرارات تحريرية بشرية، بل أصبح يتشكل أيضًا عبر خوارزميات مصممة لزيادة التفاعل والانتشار.
تشير بيانات تقرير “Digital News Report 2024” الصادر عن معهد “Reuters Institute” في جامعة “Oxford” إلى أن أكثر من 55% من المستخدمين في عشرات الدول يحصلون على الأخبار عبر المنصات الرقمية بدلًا من المواقع الإخبارية التقليدية، ما يعني أن الخوارزميات أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في تحديد ما يصل إلى الجمهور من أحداث وقصص يومية، وهنا لم تعد المنصات مجرد وسيط تقني لنقل الأخبار، بل أصبحت جزءًا من الآلية التي تحدد ما الذي يدخل المجال العام أصلًا.
في دراسة نشرتها جامعة “Columbia” عام 2021 حول سلوك مشاركة الأخبار على الإنترنت، وجد الباحثون أن القصص التي تثير مشاعر قوية مثل الغضب أو الدهشة تنتشر بسرعة أكبر بكثير من الأخبار المحايدة، لأن الخوارزميات تميل إلى تعزيز المحتوى الذي يحقق تفاعلًا أكبر، ومع الوقت يؤدي هذا النمط إلى تضخيم حضور بعض الأحداث في الوعي العام، بينما تتراجع أحداث أخرى أقل إثارة رغم أهميتها الفعلية.
هذا التفاوت بين ما يحدث في الواقع وما يتكرر في التدفق الرقمي يخلق ما يسميه بعض الباحثين “الذاكرة الخوارزمية”، أي ذاكرة جماعية تتشكل عبر التكرار الخوارزمي للمحتوى، وليس فقط عبر أهميته الموضوعية، فالأحداث التي تظهر أمام المستخدمين ملايين المرات تصبح جزءًا من ذاكرتهم اليومية، بينما قد تختفي أحداث أخرى من الوعي العام لأنها لم تحظَ بالانتشار نفسه.
تشير بيانات شركة “Chartbeat” المتخصصة في تحليل سلوك القراء إلى أن معظم المستخدمين يقضون أقل من دقيقة واحدة في قراءة الخبر الواحد على الإنترنت، بينما يعتمدون في تشكيل انطباعهم العام على العناوين المتكررة في التدفق الإخباري، ومع سيطرة المنصات الرقمية على هذا التدفق يصبح ترتيب الأخبار عاملًا حاسمًا في تحديد ما يترسخ في الذاكرة الجماعية وما يتلاشى منها.
في هذا السياق لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات لترتيب المعلومات، بل أصبحت جزءًا من البنية الثقافية التي تحدد ما يتذكره المجتمع وما ينساه، لأن الذاكرة العامة لا تتشكل فقط من الأحداث نفسها، بل من مدى حضور هذه الأحداث في المجال العام، ومع انتقال جزء كبير من هذا المجال إلى المنصات الرقمية أصبح ترتيب المحتوى عاملًا مؤثرًا في تشكيل الذاكرة.
لكن التحول الأكبر قد يحدث في السنوات القادمة مع صعود “الذكاء الاصطناعي التوليدي”، فهذه التقنيات لا تكتفي بترتيب المحتوى الموجود، بل تستطيع إنتاج محتوى جديد باستمرار، وهو ما قد يضاعف كمية السرديات الرقمية التي تحيط بالأحداث، وفي بيئة كهذه قد يصبح الحدث الحقيقي أقل وضوحًا وسط التدفق الهائل من التفسيرات والصور والمقاطع التي تنتجها الأنظمة الرقمية.
بعض الباحثين في دراسات الإعلام يتوقعون أن يؤدي هذا التحول إلى ظهور ما يمكن تسميته “الذاكرة الرقمية المصممة”، حيث تصبح الخوارزميات قادرة ليس فقط على تحديد ما ينتشر من الأحداث، بل أيضًا على إعادة تقديم هذه الأحداث بصيغ مختلفة تحافظ على حضورها في الوعي العام، عبر التوصيات أو المقاطع القصيرة أو التذكيرات السنوية التي تعيد إحياء محتوى قديم في سياق جديد.
وفي هذا السياق قد يتغير شكل الذاكرة الجماعية نفسها، فبدل أن تعتمد على سرديات مستقرة تنقلها المؤسسات الثقافية، قد تصبح الذاكرة العامة أكثر سيولة وتغيرًا، تتشكل باستمرار عبر التدفق الخوارزمي للمحتوى، حيث يظهر الحدث ويختفي ويعود للظهور وفق أنماط التفاعل الرقمي، لا وفق تسلسل التاريخ نفسه.
هذا لا يعني أن الخوارزميات تكتب التاريخ بمعناه التقليدي، لكنها قد تؤثر في الطريقة التي يتذكر بها الناس هذا التاريخ، لأن ما يتكرر في المجال العام يصبح أكثر حضورًا في الوعي الجماعي، ومع الوقت قد تتحول الذاكرة الاجتماعية إلى انعكاس لما تكرره الخوارزميات بقدر ما هي انعكاس لما حدث بالفعل.
ويبقى السؤال مطروحًا، إذا كانت الخوارزميات أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في تحديد ما نراه من أحداث وما نتذكره منها، فهل نشهد في المستقبل ذاكرة جماعية يصنعها الترتيب الخوارزمي بقدر ما يصنعها التاريخ نفسه؟



