كُتاب الترند العربيعمر غازي

الوضوح.. نعمة لا يحتملها الآخرون

عمر غازي

في إحدى المرات، خسرتُ علاقة لم أكن أنوي خسارتها، ولم أرتكب فيها خطأً بالمعنى التقليدي.
لم أخن، ولم أُهمل، ولم أرفع صوتي.

كل ما فعلته أنني كنت واضحًا أكثر مما ينبغي.

قلت ما أفكر فيه دون زينة لغوية، ودون محاولات تخفيف، ودون تلك العبارات المطاطية التي نستخدمها عادةً لننجو اجتماعيًا.
لاحظتُ في اللحظة نفسها تغيّر الوجوه.
ليس غضبًا، بل ارتباكًا.
كأنني كسرتُ قاعدة غير مكتوبة:
أن الحقيقة تُقال، نعم… لكن بجرعات صغيرة، وبصوت منخفض، ومع اعتذار مسبق.

اكتشفت لاحقًا أن الناس لا يكرهون الكذب بقدر ما يكرهون الوضوح.
الكذب يمكن التعايش معه، التفاوض عليه، تأجيله.
أما الوضوح، فهو نهائي على نحو مزعج.

الوضوح لا يترك مساحة للتأويل،
ولا يمنح الآخرين فرصة لإعادة ترتيب الصورة بما يناسبهم.
ولهذا يبدو قاسيًا، حتى حين يكون صادقًا.

تعلمنا منذ وقت مبكر أن نكون “لبقين”.
واللباقة، في كثير من الأحيان، ليست سوى اسم مهذب للخداع المتبادل.
نقول ما لا نعني، ونعني ما لا نقول، ثم نلوم العالم لأنه لا يفهمنا.

حين تكون واضحًا، تفقد هذه اللعبة كلها دفعة واحدة.
لا تملك ترف التراجع، ولا مهارة الإنكار، ولا حيلة “لم أقصد”.
تصبح مسؤولًا عمّا قلت، لا عمّا فُهِم.

وهنا تبدأ المشكلة.

الوضوح يجعلك وحيدًا على نحو خاص.
ليس لأنك أفضل، بل لأنك أقل استعدادًا للمشاركة في التمثيل.
والتمثيل، كما يبدو، نشاط جماعي لا يُسامَح لمن ينسحب منه فجأة.

الغريب أن الوضوح لا يريح صاحبه دائمًا.
بل قد يضعه في مواقف أصعب، ويحرمه من علاقات كان يمكن أن تستمر لو قال أقل، أو لو قال بطريقة أكثر غموضًا.
لكنّه، في المقابل، يمنحه شيئًا نادرًا:
القدرة على النظر إلى نفسه دون ارتباك.

أنا لا أزعم أن الوضوح فضيلة مطلقة.
أحيانًا يكون قسوة غير ضرورية، وأحيانًا يكون تسرّعًا أخلاقيًا.
لكنني تعلمتُ أن المشكلة ليست في الحقيقة،
بل في توقيت قولها، وطريقة تقديمها، واستعداد الطرف الآخر لسماعها.

معظم الناس لا يريدون الحقيقة.
يريدون نسخة قابلة للهضم منها.
شيئًا لا يغيّر توازنهم، ولا يفرض عليهم مراجعة أنفسهم.

ولهذا يبدو الواضح دائمًا شخصًا “صعبًا”.
ليس لأنه معقّد، بل لأنه لا يترك مساحة للهروب.

ربما الوضوح نعمة ثقيلة.
نعمة لا تُمنح لمن يبحث عن القبول،
بل لمن قرر — عن وعي أو عن تعب — أن يعيش دون أقنعة إضافية.

والمفارقة المؤلمة؟
أن أكثر من يطلب منك الصراحة…
هو أول من يتأذى منها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى