كُتاب الترند العربي

كيف غير الذكاء الاصطناعي شكل الشائعة؟

عبدالعزيز بن خالد العمران

لم تكن الشائعة يومًا ظاهرة طارئة في تاريخ الإعلام، بل رافقت نشوء الاتصال الجماهيري منذ بداياته الأولى، فمع ظهور الصحافة المطبوعة، ثم الإذاعة، ثم التلفزيون، أصبحت المعلومة القابلة للتداول أسرع من الحقيقة القابلة للتحقق، ومنذ ذلك الحين بدأت الشائعة تتحول من حديث شفهي محدود إلى أداة تأثير واسعة النطاق، تتجاوز حدود الأفراد إلى تشكيل الرأي العام.

في هذا السياق ظهرت مقولات شهيرة تلخّص منطق الشائعة الإعلامية، أشهرها المقولة المنسوبة إلى الألماني جوزيف جوبلز مهندس ماكينة الدعاية الألمانية: «اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب، حتى يصدقك الجميع» هذه العبارة لا تعكس فقط مبدأ التكرار، بل تكشف منطقًا اتصاليًا عميقًا: فالعقل الجمعي لا يصدّق دائمًا ما هو صحيح، بل ما هو متكرر، مألوف، ومتداول ومع الزمن، تتحول المعلومة المتداولة إلى “حقيقة اجتماعية”، حتى وإن كانت خالية من الأساس الواقعي.

تاريخيًا استُخدمت الشائعات في الحروب، والسياسة، والاقتصاد، والدعاية الأيديولوجية، لا بوصفها أخبارًا، بل بوصفها أدوات لإرباك الخصم، وزعزعة الثقة، وتوجيه الإدراك الجمعي، فالشائعة لا تهدف دائمًا إلى الإقناع العقلي، بل إلى إعادة تشكيل الشعور العام: الخوف، الشك، الغضب، أو الطمأنينة الكاذبة وهنا تكمن خطورتها الحقيقية؛ إذ لا تعمل على مستوى المعلومة، بل على مستوى الوعي.

ومع تطور وسائل الإعلام الحديثة، اتسع نطاق تأثير الشائعة، لكن شكلها ظل في جوهره واحدًا: خبر غير متحقق، يُضخ في الفضاء العام، ويُعاد تدويره حتى يكتسب شرعية التداول غير أن الحداثة الرقمية لم تغيّر سرعة الانتشار فقط، بل غيّرت جودة الشائعة نفسها.

اليوم، لم تعد الشائعة مجرد نص مكتوب أو صوت منسوب إلى مصدر مجهول، بل أصبحت صورة، وفيديو، ومشهدًا بصريًا كاملًا ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الفيديوهات التوليدية (Deepfake)، دخلنا مرحلة جديدة تمامًا من تاريخ الشائعة الإعلامية؛ مرحلة لم يعد فيها التزييف بسيطًا، ولا الكشف سهلًا، ولا التحقق متاحًا لعامة الجمهور.

الفيديو المزيف اليوم يمكن أن يحمل صوتًا مطابقًا، وصورة متقنة، وتعابير وجه دقيقة، وسياقًا بصريًا مقنعًا، وهذا الانتقال من “شائعة لغوية” إلى “شائعة بصرية” ضاعف قوتها التأثيرية، لأن العقل البشري بطبيعته يميل إلى تصديق ما يراه أكثر مما يقرأه، وهنا لم تعد الشائعة مجرد معلومة خاطئة، بل واقعًا بصريًا مُصطنعًا.

بهذا التحول، أصبحت الشائعة الحديثة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لم تعد تُختبر بمنطق “هل الخبر صحيح؟”، بل بمنطق “هل الصورة حقيقية؟”، وهو سؤال يتجاوز قدرة الفرد العادي على التحقق. فالجمهور العام لا يمتلك أدوات التحليل التقني، ولا مهارات التحقق الرقمي، ما يجعل كشف الشائعة الحديثة مهمة شبه مستحيلة خارج الأطر المتخصصة.

الخطر الأكبر هنا أن الشائعة لم تعد تعمل فقط على تضليل الجمهور، بل على تقويض مفهوم الحقيقة ذاته فعندما يصبح كل شيء قابلًا للتزييف، يصبح كل شيء قابلًا للتشكيك، وتتحول الحقيقة من قيمة معرفية إلى رأي قابل للتفاوض.

نحن لم نعد نعيش في عصر “الشائعة” بالمعنى التقليدي، بل في عصر الواقع المصنوع. حيث لا تكمن المشكلة في الكذب فقط، بل في فقدان القدرة على التمييز وهذا أخطر من الكذب ذاته، لأن المجتمع الذي لا يستطيع التفريق بين الحقيقي والمزيف، يصبح مجتمعًا قابلًا للتوجيه في أي اتجاه.

فالشائعة قديمة في التاريخ، لكن أدواتها اليوم جديدة، ونتائجها أعمق، وتأثيرها أخطر وما لم ينتقل الوعي الإعلامي من مجرد الاستهلاك إلى الفهم، ومن التلقي إلى النقد، فإن الشائعة لن تكون مجرد خبر عابر، بل بنية دائمة في تشكيل الوعي العام.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى