«مدينة آمنة» أم استيطان جديد؟.. الإمارات تموّل أول مجمّع سكني في غزة تحت مراقبة إسرائيل
الترند العربي – متابعات
أعاد مشروع سكني جديد في جنوب قطاع غزة فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الفلسطيني-الإقليمي، بعدما كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن خطط لتمويل إماراتي لإنشاء أول مجمّع سكني مخطّط له في قطاع غزة بعد الحرب، على أطراف مدينة رفح المدمّرة، ضمن ترتيبات أمنية وإدارية تخضع لمراقبة إسرائيلية مباشرة.
المشروع، الذي يُقدَّم رسميًا بوصفه «مدينة آمنة» لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للفلسطينيين المتضررين، أثار في المقابل تساؤلات عميقة حول طبيعته السياسية، وحدود دوره الإنساني، وما إذا كان يمثّل خطوة نحو إعادة إعمار حقيقية، أم نموذجًا جديدًا لإدارة السكان تحت مظلة أمنية مشددة قد تكرّس واقعًا مختلفًا على الأرض.
كشف بريطاني يفتح ملفًا شائكًا
بحسب ما نشرته «الجارديان»، فإن المشروع الإماراتي يمثّل أول استثمار مباشر في إعادة إعمار غزة في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل حاليًا، ويقع في أقصى جنوب القطاع، قرب رفح، حيث شهدت المنطقة دمارًا واسعًا خلال العمليات العسكرية الأخيرة.
واستند التقرير إلى عرض تقديمي غير سري اطّلعت عليه الصحيفة، ونشره موقع «دروب سايت» لأول مرة، كُشف خلال جولة لمجموعة من المانحين الأوروبيين داخل مركز التنسيق المدني-العسكري، الذي تقوده الولايات المتحدة في إسرائيل، منتصف يناير الجاري.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن العرض حظي بموافقة المخططين العسكريين الإسرائيليين، في خطوة تعكس تداخل البعدين الإنساني والأمني في المشروع منذ مراحله الأولى.

الإمارات كمموّل رئيسي لأول مرة
ورغم أن دور الإمارات كممول رئيسي للمشروع لم يُعلن رسميًا في البيانات العامة، فإن الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة تشير بوضوح إلى أن التمويل إماراتي، وأن المشروع يُعد أول تدخل من هذا النوع في مرحلة «ما بعد الحرب» داخل غزة.
ويأتي ذلك في سياق أوسع من الحضور الإماراتي في ملفات إنسانية وإغاثية إقليمية، غير أن خصوصية الحالة الفلسطينية، وحساسية الجغرافيا السياسية لغزة، تجعل أي مبادرة من هذا النوع محاطة بأسئلة مضاعفة حول النوايا والنتائج.
مدينة بخدمات مشروطة
وفق تفاصيل المشروع، سيوفّر المجمع السكني خدمات أساسية تشمل التعليم، والرعاية الصحية، والمياه الجارية، في محاولة لمعالجة جزء من الأزمة الإنسانية الحادة التي يعيشها سكان القطاع.
لكن الحصول على هذه الخدمات مشروط بإجراءات غير مسبوقة في السياق الفلسطيني، إذ يُلزم السكان بالخضوع لتوثيق بيومتري شامل، وتدقيق أمني، وجمع بيانات شخصية دقيقة، كشرط أساسي للإقامة داخل المجمع.
وتُعد هذه الشروط محور الجدل الأوسع، حيث يرى منتقدو المشروع أن ربط الحق في السكن والخدمات الإنسانية بإجراءات أمنية صارمة يطرح إشكاليات قانونية وأخلاقية، تتجاوز البعد الإغاثي التقليدي.
من «المنطقة الحمراء» إلى «المنطقة الخضراء»
تشير وثائق التخطيط إلى أن الفلسطينيين الراغبين في الانتقال إلى المجمع الإماراتي سيتعيّن عليهم مغادرة ما يُعرف بـ«المنطقة الحمراء»، وعبور نقطة تفتيش إسرائيلية إلى «المنطقة الخضراء».
بعد ذلك، يخضعون لتدقيق أمني شامل، وتوثيق بيومتري، قبل السماح لهم بالإقامة داخل المجمع، باستخدام أرقام هويات فلسطينية صادرة عن السلطة الفلسطينية، بالتنسيق مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة الشؤون المدنية في غزة من الجانب الإسرائيلي.
ويُظهر هذا المسار حجم التعقيد الإداري والأمني الذي يحيط بالمشروع، ويعكس في الوقت ذاته طبيعة السيطرة الإسرائيلية غير المباشرة على تفاصيل الحياة اليومية داخل المجمع.

الحد من نفوذ حماس كهدف معلن
تُبرز الوثائق أن أحد الأهداف المركزية للمشروع هو «الحد من نفوذ حماس» داخل المناطق السكنية الجديدة، عبر مجموعة من الأدوات التنظيمية والاقتصادية.
ومن بين هذه الأدوات، إدخال محافظ رقمية بالشيكل الإلكتروني، بهدف تقليل تداول النقد، والحد من إمكانية تحويل الأموال أو البضائع إلى القنوات المالية التابعة لحماس، بحسب توصيف المخططين.
كما يتضمّن المشروع منهجًا تعليميًا لا يتبع لحماس، بل يُقدَّم بإشراف إماراتي، في خطوة تحمل أبعادًا ثقافية وسياسية تتجاوز مجرد توفير التعليم.
حرية حركة مشروطة
رغم التأكيد في العرض التقديمي على أن السكان سيتمكنون من الدخول والخروج من المجمع «بحرية»، فإن هذه الحرية تبقى مشروطة بإجراءات تفتيش أمني مستمرة، تهدف إلى منع دخول الأسلحة أو «العناصر المعادية»، وفق التعبير الوارد في الوثائق.
ويثير هذا التوصيف مخاوف من تحوّل المجمع إلى مساحة سكنية خاضعة لمراقبة دائمة، أقرب إلى نموذج إداري-أمني مغلق، أكثر منه حيًا سكنيًا طبيعيًا.
نموذج قابل للتكرار؟
نقل التقرير عن مسؤول أمريكي قوله إن أول مجمع مدعوم من الإمارات قد يتحوّل إلى نموذج لسلسلة من «المجتمعات الآمنة البديلة»، التي يجري الترويج لها أمريكيًا وإسرائيليًا، باعتبارها حلًا عمليًا لإدارة السكان في غزة خلال المرحلة الانتقالية.
هذا التصريح يفتح الباب أمام سيناريوهات أوسع، قد تشمل تعميم النموذج في مناطق أخرى من القطاع، وهو ما يثير مخاوف من إعادة تشكيل الخريطة السكانية لغزة، بعيدًا عن العودة إلى المدن والأحياء الأصلية التي دُمّرت خلال الحرب.
بين الإغاثة وإعادة الهندسة السكانية
يرى مراقبون أن المشروع، بصيغته الحالية، يقع في منطقة رمادية بين الإغاثة الإنسانية وإعادة الهندسة السكانية، حيث يُقدَّم كحل مؤقت لأزمة إنسانية، لكنه يحمل في طياته ملامح ترتيب طويل الأمد.
وتزداد هذه المخاوف مع ربط الإقامة بالخضوع لإجراءات أمنية مشددة، وفرض أنماط تعليمية واقتصادية جديدة، ما قد يُفضي إلى خلق واقع اجتماعي مختلف عن السياق الفلسطيني التقليدي في غزة.
موقف المنظمات الإنسانية
حتى الآن، لم تصدر مواقف رسمية واضحة من كبريات المنظمات الإنسانية الدولية تجاه المشروع، إلا أن مصادر في قطاع الإغاثة، تحدثت للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هويتها، أبدت قلقًا من أن تتحوّل المبادرات الإنسانية إلى أدوات سياسية، تُستخدم لإدارة الصراع بدلًا من معالجته.
ويؤكد هؤلاء أن أي إعادة إعمار حقيقية يجب أن تتم وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني، دون ربط الحقوق الأساسية للسكان بشروط أمنية أو سياسية.
الإمارات والملف الفلسطيني
تاريخيًا، لعبت الإمارات أدوارًا متعددة في دعم الشعب الفلسطيني، سواء عبر المساعدات الإنسانية أو المبادرات التنموية، غير أن السياق الحالي يختلف عن المراحل السابقة، نظرًا لطبيعة السيطرة الإسرائيلية المباشرة على الأرض، وتعقيدات المشهد السياسي بعد الحرب.
ويضع هذا المشروع الإمارات في موقع دقيق، بين الرغبة في تقديم دعم إنساني، ومتطلبات التنسيق مع أطراف دولية وإقليمية تفرض شروطها على الأرض.

إسرائيل والمقاربة الأمنية
من جانبها، تنظر إسرائيل إلى المشروع باعتباره جزءًا من مقاربة أمنية أوسع، تهدف إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة، ومنع عودة ما تصفه بـ«التهديدات الأمنية» من المناطق السكنية.
لكن هذه المقاربة تصطدم برفض فلسطيني واسع لأي ترتيبات تُكرّس السيطرة الأمنية الإسرائيلية، أو تؤسس لواقع سكني بديل عن العودة إلى المناطق الأصلية.
أسئلة فلسطينية معلّقة
داخل غزة، لا تزال الأسئلة معلّقة: هل يُعد الانتقال إلى هذا المجمع خيارًا اضطراريًا في ظل الدمار الشامل، أم خطوة قد تُستخدم لاحقًا لتبرير عدم إعادة إعمار المدن المدمّرة؟
وهل تمثّل «المدينة الآمنة» حلًا إنسانيًا مؤقتًا، أم مقدّمة لنموذج جديد من «الاستيطان المقنّع»، كما يصفه بعض النشطاء؟
السيناريوهات المحتملة
يرجّح محللون أن يواجه المشروع تحديات كبيرة على الأرض، سواء من حيث القبول الشعبي، أو القدرة على التوسع، أو الاستدامة المالية والسياسية.
وفي حال فشله في كسب ثقة السكان، قد يتحوّل إلى تجربة محدودة التأثير، أما في حال تعميمه، فقد يفتح مرحلة جديدة من الجدل حول مستقبل غزة، وشكل إدارتها بعد الحرب.
خلاصة المشهد
بين توصيفه كـ«مدينة آمنة» توفر الحد الأدنى من الحياة، واعتباره خطوة نحو إعادة ترتيب سكاني تحت رقابة أمنية مشددة، يقف المشروع الإماراتي في غزة عند تقاطع معقّد بين الإغاثة والسياسة.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يكون هذا المشروع جسرًا مؤقتًا نحو إعادة إعمار عادلة وشاملة، أم بداية لمسار جديد يعيد تعريف مفهوم السكن والعودة في غزة؟
ما هو المشروع الإماراتي في غزة؟
هو مجمّع سكني مخطّط له في جنوب غزة، بتمويل إماراتي، لتوفير خدمات أساسية للسكان المتضررين.
أين يقع المشروع؟
على أطراف مدينة رفح، أقصى جنوب قطاع غزة.
ما الشروط المفروضة على السكان؟
الخضوع لتوثيق بيومتري وتدقيق أمني كشرط للإقامة.
هل يخضع المشروع لإشراف إسرائيلي؟
نعم، يتم تحت مراقبة وتنسيق أمني إسرائيلي.
لماذا يثير المشروع جدلًا؟
لأنه يربط السكن والخدمات الإنسانية بإجراءات أمنية، ويثير مخاوف من إعادة هندسة سكانية في غزة.
اقرأ أيضًا: الرياض تفتح بوابة جديدة للعالم.. أمير المنطقة يدشّن الصالة الدولية 2 ويضاعف طاقة مطار الملك خالد



