كُتاب الترند العربيعمر غازي

اقتصاد الابتزاز العاطفي

عمر غازي

في 3 مارس 2025 نشرت صحيفة “The Guardian” في قسم “Money” تقريرًا عن موظفة سابقة في إحدى الجهات الحكومية البريطانية ظهرت باسم مستعار هو “Joanna Thomas”، روت فيه كيف هبطت مكافأة مجزية في حسابها المشترك صباحًا ثم تلقت بعد ساعات رسالة من زوجها يخبرها أنه سحب المبلغ كاملًا ليشتري قاربًا عبر الإنترنت، لم تتوقف القصة عند نزوة مالية عابرة بل اكتشفت بعد انهيار الزواج أن زوجها راكم باسمها قروضًا وديونًا تُقدَّر بنحو 130000 جنيه إسترليني، وأنها واحدة من نحو 1600000 شخص في المملكة المتحدة خلال عام واحد وجدوا أنفسهم ضحايا ما وصفه التقرير بالدَّيْن القسري (coerced debt)، أي ديون تُفرض تحت ضغط عاطفي في علاقة يفترض أن تكون ملاذًا لا ساحة استغلال.

هذه القصة ليست حكاية عائلية شاذة بقدر ما هي نموذج مكثَّف لما يسميه خبراء العنف الأسري بالاعتداء الاقتصادي (economic abuse)، حين تُستخدم الثقة والقرب سلاحًا للسيطرة على الموارد المالية أكثر مما تُستخدم لبناء حياة مشتركة، فالشريك هنا لا يمد يده إلى الحساب البنكي فقط بل إلى قدرة الطرف الآخر على اتخاذ قرار اقتصادي مستقل، ولذلك تشير بيانات “National Network to End Domestic Violence” في الولايات المتحدة في ورقة حقائق نُشرت عام 2025 إلى أن العنف المالي أو الاقتصادي حاضر في نحو 99% من حالات العنف المنزلي التي تتعامل معها الشبكة، وأن الخوف من العجز المالي هو من أهم الأسباب التي تدفع الضحايا للبقاء في علاقات مؤذية رغم معرفتهم بخطورتها.

وحين حاول فريق بحثي بقيادة “Cora Peterson” تقدير الكلفة الاقتصادية الكاملة للعنف بين الشركاء الحميمين في الولايات المتحدة نشرت “American Journal of Preventive Medicine” عام 2018 دراسة حللت بيانات ملايين البالغين وانتهت إلى رقم يكاد يبدو خياليًا، عبء اقتصادي يقترب من 3.6 تريليون دولار بقيم 2014 موزعًا بين تكاليف طبية وخسائر إنتاجية وتكاليف عدلية وخسائر في ممتلكات الضحايا، مع متوسط كلفة مدى الحياة قدره نحو 103767 دولارًا لكل امرأة متضررة و23414 دولارًا لكل رجل، أي أن الابتزاز العاطفي الذي يبقي إنسانًا واحدًا أسير علاقة مؤذية لا يُهدر صحته وسلامه النفسي فقط بل يترك أثرًا ثقيلًا في دفاتر الاقتصاد العام لا تراه العين حين تختصر المشهد في عبارة قصة حب فاشلة.

ولفهم كيف يعمل الاعتداء الاقتصادي في التفاصيل اليومية حللت مراجعة منهجية نشرتها مجلة “BMC Public Health” عام 2022 بقيادة الباحثة “Lyndal Johnson” عشرات الدراسات حول “economic abuse”، وأظهرت أن هذا النمط لا يقتصر على سرقة المال المباشرة بل يشمل تعطيل قدرة الضحية على اكتساب الموارد واستخدامها والاحتفاظ بها، من منعها من العمل أو الدراسة إلى التحكم في الحسابات البنكية وفرض ديون باسمها دون موافقة واعية، وانتهت المراجعة إلى ارتباط واضح بين الاعتداء الاقتصادي وبين الاكتئاب والقلق وتدهور الصحة الجسدية، إضافة إلى آثار مباشرة على جودة الحياة والاستقرار المالي، كأن من يمارس هذا النمط لا ينسف علاقة عاطفية فحسب بل يقتطع من المستقبل الاقتصادي للطرف الآخر سنوات كاملة من الإمكان المهدَر.

هذا الاقتصاد الخفي لا يتوقف عند حدود البيت بل يمد خيوطه إلى المؤسسات، فالتنمر والتحرش وسوء المعاملة في أماكن العمل ليست حوادث أخلاقية معزولة بل لها كلفة رقمية صريحة، تقرير مشترك بعنوان “Counting the Cost” أعدته “KPMG” لصالح “Human Rights Commission” في نيوزيلندا وقدّم ملخصه عام 2024 يقدّر أن التنمر والتحرش في بيئة العمل يكلّفان أصحاب الأعمال نحو 1.34 مليار دولار نيوزيلندي في عام واحد بين يونيو 2021 ويونيو 2022، توزعت بين الغياب المرضي، والحضور الشكلي منخفض الإنتاجية، وتكاليف استبدال الموظفين، والإجراءات الداخلية لمعالجة الشكاوى، أي أن الضغط النفسي المستمر وما يرافقه من ابتزاز عاطفي مقنَّع داخل الفرق لا ينتهي عند باب المكتب بل ينعكس مباشرة على التقارير المالية السنوية.

وراء هذه الأرقام تقبع ممارسات تبدو في ظاهرها لغوية لكنها في حقيقتها اقتصادية، مدير يلوّح ضمنيًا بأن من يرفض العمل لساعات إضافية بلا مقابل لا ينتمي إلى روح الفريق، فيدفع بعض الموظفين إلى التضحية بأوقاتهم الأسرية وصحتهم لأن ثمن قول لا يبدو لهم أعلى من ثمن الإرهاق، أو موظف يهدد في كل مراجعة أداء بالاستقالة أو بانهياره النفسي إن لم يحصل على امتيازات إضافية، فيستجيب المسؤول مرة بعد أخرى خوفًا من انفجار أو شكوى، هنا تتحول الجملة المكررة “سأخذلني إن لم تفعل” إلى أداة لإعادة توزيع عبء العمل والحوافز داخل الشركة بعيدًا عن معايير الكفاءة والعدالة، وتصبح المشاعر جسرًا يعبر عليه عدم التكافؤ في الفرص من خانة الاستثناء إلى خانة القاعدة اليومية.

على مستوى الأفراد تظهر دراسات متخصصة في الاعتداء الاقتصادي صورة لا تقل حدة عما تكشفه الإحصاءات العامة، إذ وثقت أبحاث منشورة بين 2021 و2024 في دوريات مثل “Journal of Interpersonal Violence” و”BMC Public Health” أن ضحايا الاعتداء الاقتصادي أكثر عرضة لصعوبات ائتمانية طويلة المدى، وأن كثيرين منهم يخرجون من العلاقة بأرصدة مثقلة بقروض وبطاقات ائتمان لم يستفيدوا منها، وأن هذا الإرث المالي الثقيل يقيّد قدرتهم على استئناف مسار مهني سليم أو الحصول على سكن ملائم أو العودة إلى مقاعد الدراسة، أي أن علاقة واحدة يقوم اقتصادها على الابتزاز العاطفي قد تسحب من رصيد صاحبها عشرات الفرص المهنية والمالية اللاحقة وإن انتهت على الورق بتوقيع طلاق أو استقالة.

وإذا كان كثير من هذه الوقائع يجري تحت عنوان الحب أو الوفاء أو التضحية فإن الخط الفاصل بين التعاطف المشروع والابتزاز العاطفي يتضح حين ننظر إلى اتجاه حركة الموارد لا إلى ارتفاع نبرة المشاعر، فالعلاقة التي يتقاسم فيها الطرفان الأعباء والقرارات المالية بشفافية قد تكون مؤلمة في بعض مراحلها لكنها لا تحوّل خوف أحدهما إلى ضريبة ثابتة على مستقبل الآخر، بينما العلاقة التي يُلوّح فيها على الدوام بالانهيار أو الهجر أو الاتهام بالجحود متى طُرحت أسئلة عن المال والعمل والديون هي علاقة تُدار بمنطق اقتصاد خفي، من يملك القدرة على استثارة الذنب يرفع “سعر” رضاه ويخفض “سعر” اعتراض الطرف المقابل، حتى لو كانت أرقامه على الورق أضعف وأكثر اعتمادًا على الآخر.

المفارقة أن من يمارس هذا النمط يظن غالبًا أنه يحمي نفسه اقتصاديًا، الشريك الذي يبقي الطرف الآخر أسير خوف دائم من تفكك الأسرة يتصور أنه يضمن استمرار التدفق المالي أو الخدمات التي يحصل عليها، والموظف الذي يكتشف أن التلويح المستمر بالتعب أو الانهيار يمنحه إعفاءً من أصعب المهام يظن أنه يحافظ على طاقته، والمدير الذي يدير فريقه بلغة الذنب والولاء يتخيل أنه يوفر على الشركة كلفة الوضوح الصارم، غير أن ما تقوله الدراسات عن العنف الأسري والاعتداء الاقتصادي والتنمر المؤسسي يكاد يتفق على نتيجة واحدة، ما يُربَح لحظيًا عبر الابتزاز العاطفي يُدفَع أضعافه لاحقًا في هيئة إنتاجية مفقودة، وصحة منهكة، وثقة مشروخة، ومسارات مهنية انكسرت قبل أن تبلغ نضجها.

يبقى السؤال المفتوح، كيف يمكن للأفراد والمؤسسات أن يعيدوا رسم حدود التعاطف بحيث يبقى الاحتواء حاضرًا دون أن يتحول إلى تفويض مفتوح للسيطرة على القرارات الاقتصادية للآخرين، وكيف نميز في حياتنا اليومية بين من يطلب مشاركتنا بصراحة وبين من يبني مستقبلًا كاملًا على خوفنا من أن نُتَّهَم بالقسوة، وهل نملك الشجاعة لأن نغلق حسابات هذا الاقتصاد الخفي قبل أن نكتشف بعد سنوات أن أغلى ما دفعناه لم يكن المال بل القدرة على أن نقول لا حين يصبح الصمت نفسه شكلًا من أشكال الخسارة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى