راية فلسطين تُرفع في قلب لندن.. افتتاح سفارة كاملة الصلاحيات يهزّ المشهد السياسي الأوروبي
الترند العربي – متابعات
في لحظة وُصفت بأنها تاريخية بكل المقاييس، افتُتحت رسميًا سفارة دولة فلسطين في العاصمة البريطانية لندن، بعد أكثر من ثلاثة أشهر على اعتراف المملكة المتحدة بدولة فلسطين، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية تتجاوز البروتوكول، وتعيد طرح القضية الفلسطينية بقوة في قلب المشهد الدولي، من بوابة واحدة من أكثر العواصم تأثيرًا في السياسة العالمية.
الحدث، الذي جرى في غرب لندن، لم يكن مجرد افتتاح مبنى دبلوماسي، بل إعلانًا رمزيًا عن انتقال فلسطين إلى مرحلة جديدة من الحضور السياسي الدولي، بصفة دولة معترف بها، وبصلاحيات دبلوماسية كاملة، بعد عقود طويلة من التمثيل المحدود والنضال السياسي والقانوني من أجل تثبيت الهوية والسيادة.

لحظة إعلان الدولة في عاصمة القرار
قال حسام زملط، سفير فلسطين لدى المملكة المتحدة، إن افتتاح السفارة يمثل «لحظة تاريخية»، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين يشهدون اليوم تتويجًا لمسار طويل من العمل الدبلوماسي والسياسي، تُوّج برفع لوحة «سفارة دولة فلسطين» على مبنى رسمي في لندن، وبصفة دبلوماسية كاملة.
وأكد زملط، في كلمته خلال الحفل، أن هذا الحدث لا يخص النخب السياسية وحدها، بل يمسّ وجدان أجيال كاملة من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي مخيمات اللاجئين، وفي الشتات، معتبرًا أن السفارة تمثل دليلًا سياسيًا ورمزيًا على أن الهوية الفلسطينية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها.
من بعثة إلى سفارة.. تحوّل في المكانة
قبل هذا الافتتاح، كانت فلسطين ممثّلة في لندن ببعثة دبلوماسية ذات طابع محدود الصلاحيات، تعكس طبيعة الموقف البريطاني السابق من مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. غير أن الاعتراف الرسمي الذي أعلنته لندن في سبتمبر الماضي غيّر قواعد اللعبة بالكامل، ومهّد الطريق لتحويل البعثة إلى سفارة كاملة، تتمتع بالامتيازات الدبلوماسية المعترف بها دوليًا.
هذا التحوّل لا يحمل دلالة إجرائية فحسب، بل يعكس اعترافًا سياسيًا وقانونيًا بوجود دولة فلسطينية، وبحقها في التمثيل الدبلوماسي الكامل، والتعامل مع الحكومة البريطانية على أساس الندية، لا بصفة كيان سياسي قيد الاعتراف.

لوحة على مبنى.. ورسالة إلى العالم
عند إزاحة الستارة عن لوحة «سفارة دولة فلسطين» المثبتة على المبنى الواقع في منطقة هامرسميث غرب لندن، لم يكن المشهد بروتوكوليًا بقدر ما كان مشحونًا بالرمزية. فالمكان الذي طالما احتضن بعثات دبلوماسية لدول مستقلة، أصبح اليوم يضم فلسطين رسميًا، في رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن المسألة الفلسطينية لم تعد قابلة للتجاهل أو التأجيل.
ويرى مراقبون أن اختيار لندن، بما تمثله من ثقل سياسي وتاريخي، يمنح هذا الحدث وزنًا مضاعفًا، ويضعه في سياق أوسع من مجرد علاقة ثنائية بين فلسطين وبريطانيا.

رسالة إلى الفلسطينيين في الداخل والشتات
في كلمته، شدد زملط على أن السفارة لا تمثل فقط عنوانًا دبلوماسيًا، بل شهادة سياسية على صمود الهوية الفلسطينية، ورسالة أمل للفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، بأن نضالهم لم يذهب سدى، وأن الاعتراف الدولي، وإن تأخر، بات يتحقق خطوة بعد أخرى.
وأضاف أن السفارة تمثل أيضًا وعدًا بمواصلة السعي نحو سلام عادل ودائم، يستند إلى القانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، والقيم الإنسانية العالمية، وليس إلى موازين القوة وحدها.
الموقف البريطاني.. اعتراف بعد حرب
يأتي افتتاح السفارة بعد قرار تاريخي اتخذته الحكومة البريطانية بالاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر الماضي، في أعقاب أكثر من عامين على اندلاع حرب مدمرة في قطاع غزة، إثر هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما تبعه من تصعيد غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية.
وأكد كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، حينها أن قرار الاعتراف يهدف إلى «إحياء الأمل بالسلام، وبحل الدولتين»، في إشارة إلى رغبة لندن في لعب دور أكثر فاعلية في إعادة إطلاق المسار السياسي المتعثر منذ سنوات.
تنسيق دولي يتجاوز بريطانيا
لم يكن القرار البريطاني معزولًا عن السياق الدولي، إذ جاء منسقًا مع عدد من الدول الغربية، من بينها فرنسا وكندا وأستراليا، في تحرك جماعي عكس تصاعد القناعة داخل الغرب بضرورة إعادة التوازن إلى مقاربة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعد سنوات من الانحياز السياسي غير المشروط لإسرائيل.
هذا التنسيق منح الخطوة البريطانية غطاءً دوليًا أوسع، وقلل من كلفتها السياسية، لكنه في الوقت نفسه أثار غضب الحكومة الإسرائيلية.
غضب إسرائيلي وانتقادات حادة
واجه قرار الاعتراف، ومن بعده افتتاح السفارة، انتقادات شديدة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصف الخطوة بأنها «مكافأة للإرهاب»، في خطاب يعكس استمرار الرؤية الإسرائيلية الرافضة لأي اعتراف دولي بدولة فلسطينية خارج إطار التفاوض بشروط إسرائيلية.
ويرى محللون أن هذا الغضب الإسرائيلي يعكس خشية حقيقية من أن يتحول الاعتراف البريطاني إلى نموذج يُحتذى به من دول أخرى، ما قد يفتح الباب أمام موجة اعترافات جديدة تعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية.
القصر الملكي يدخل المشهد
في دلالة لافتة، شارك في حفل الافتتاح ممثل عن الملك تشارلز الثالث، حيث وصف أليستير هاريسون، ممثل الملك، افتتاح السفارة بأنه «لحظة تاريخية من أجل فلسطين»، وبداية تغيير كبير في العلاقات الثنائية، التي وصفها بأنها وثيقة بالفعل.
هذه المشاركة الملكية، وإن كانت بروتوكولية، تحمل دلالة سياسية ناعمة، تعكس قبول المؤسسة البريطانية العميقة، وليس الحكومة وحدها، بالتحول في العلاقة مع فلسطين.
لندن تعيد تعريف دورها في الصراع
يرى متابعون أن افتتاح السفارة الفلسطينية يعكس رغبة بريطانية في إعادة تعريف دور لندن في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعد سنوات من التراجع عن أي دور فاعل، والاكتفاء بمواقف لفظية لا تتجاوز حدود البيانات الدبلوماسية.
اليوم، مع الاعتراف الرسمي وافتتاح سفارة كاملة، تبدو بريطانيا وكأنها تحاول استعادة جزء من نفوذها السياسي في ملف لطالما كان مرتبطًا بتاريخها الاستعماري في المنطقة.
دلالات قانونية وسيادية
من الناحية القانونية، يمنح افتتاح السفارة فلسطين وضعًا أوضح في النظام الدولي، ويعزز قدرتها على التحرك الدبلوماسي، والتوقيع على الاتفاقيات الثنائية، والمطالبة بحماية دبلوماسية لمواطنيها، ضمن الأطر المعترف بها دوليًا.
كما يعزز هذا الوجود الدبلوماسي قدرة فلسطين على مخاطبة الرأي العام البريطاني، والبرلمان، ومراكز القرار، من موقع رسمي، لا من موقع التعاطف السياسي فقط.
رمزية المكان والزمان
اختيار توقيت الافتتاح، بعد أشهر قليلة من الاعتراف الرسمي، يعكس رغبة فلسطينية وبريطانية في تثبيت الخطوة وعدم تركها في إطار رمزي مؤقت. كما أن اختيار لندن، بما تمثله من ثقل سياسي وإعلامي، يضفي على الحدث بعدًا عالميًا، يتجاوز العلاقات الثنائية.
ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تشكل نقطة تحول في مسار الاعتراف الأوروبي بفلسطين، خاصة في ظل تنامي الأصوات الشعبية والبرلمانية المطالبة بمواقف أكثر توازنًا تجاه الصراع.
ما بعد الافتتاح.. ماذا يعني ذلك عمليًا؟
افتتاح السفارة لا يعني نهاية الطريق، بل بدايته، إذ يُتوقع أن تلعب السفارة دورًا نشطًا في تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين فلسطين والمملكة المتحدة، إضافة إلى تنشيط الدبلوماسية العامة، والتواصل مع الجاليات العربية والفلسطينية في بريطانيا.
كما يُنتظر أن تكون السفارة منصة لتكثيف الجهد القانوني والإعلامي الفلسطيني، في مواجهة الرواية الإسرائيلية السائدة في الغرب.
خطوة صغيرة أم تحوّل كبير؟
بين من يراها خطوة رمزية، ومن يعتبرها تحولًا استراتيجيًا، يبقى افتتاح سفارة فلسطين في لندن حدثًا مفصليًا، يعكس تغيرًا تدريجيًا في المزاج السياسي الغربي، وعودة القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش الدولي، بعد سنوات من التهميش.
ويرى محللون أن القيمة الحقيقية للخطوة ستتضح في مدى قدرتها على تحفيز دول أخرى على اتخاذ قرارات مماثلة، وتحويل الاعتراف من موقف سياسي إلى واقع دبلوماسي ملموس.
فلسطين بين القانون والواقع
يبقى التحدي الأكبر أمام فلسطين هو تحويل هذا الاعتراف الدبلوماسي إلى مكاسب سياسية حقيقية على الأرض، في ظل استمرار الاحتلال، وتعقيدات المشهد الإقليمي، والانقسام الداخلي.
غير أن افتتاح السفارة في لندن يبعث برسالة واضحة مفادها أن المسار الدولي لم يُغلق، وأن القانون الدولي لا يزال ساحة مفتوحة للنضال السياسي الفلسطيني.
متى افتُتحت سفارة دولة فلسطين في لندن؟
افتُتحت يوم الاثنين 5 يناير 2026، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين.
من حضر حفل الافتتاح؟
حضر الحفل السفير الفلسطيني حسام زملط، وممثل عن الملك تشارلز الثالث، وعدد من الشخصيات الدبلوماسية.
ما دلالة افتتاح السفارة؟
يعكس اعترافًا رسميًا وكاملًا بدولة فلسطين، ويمنحها تمثيلًا دبلوماسيًا كامل الصلاحيات في المملكة المتحدة.
كيف كان الموقف الإسرائيلي؟
انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخطوة بشدة، واعتبرها «مكافأة للإرهاب».
هل يمكن أن تؤدي الخطوة إلى اعترافات أخرى؟
يرى محللون أن افتتاح السفارة قد يشجع دولًا أوروبية أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، في ظل تغير المزاج السياسي الدولي.
اقرأ أيضًا: من خلف القفص الحديدي إلى قلب العاصفة السياسية.. أسرار السجن الذي وُضع فيه مادورو تحت المجهر



