هل يبيح البرد الشديد الجمع بين الصلوات؟ فتوى شرعية تحسم الجدل
الترند العربي – متابعات
أثار انتشار موجات البرد الشديد في عدد من المناطق تساؤلات واسعة بين المصلين حول مشروعية الجمع بين الصلوات أو أداء الصلاة في المنازل بدل المساجد، وهي تساؤلات تجددت بقوة مع تداول مقاطع مصورة وتعليقات متباينة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما فتح بابًا واسعًا للنقاش الديني والفقهي، وطرح الحاجة إلى رأي شرعي واضح يضع حدًا للاجتهادات غير المنضبطة.
وفي هذا السياق، خرج الأستاذ بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الدكتور سعد بن تركي الخثلان، بتوضيح شرعي حاسم حول حكم الجمع بين الصلوات أو الصلاة في المنازل بسبب البرد الشديد، مؤكدًا أن البرد وحده لا يُعد عذرًا شرعيًا معتبرًا يجيز ذلك.

البرد في زمن النبوة أشد مما نعيشه اليوم
أوضح الخثلان أن شدة البرد ليست ظاهرة مستحدثة، بل كانت موجودة في زمن النبي ﷺ، وربما كانت أقسى بكثير مما يعيشه الناس اليوم، خصوصًا في بيئة المدينة المنورة آنذاك، حيث كانت وسائل التدفئة محدودة، والملابس أقل تطورًا، ومع ذلك لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم جمعوا الصلوات بسبب البرد، أو أذنوا بالصلاة في البيوت لهذا السبب وحده.
وأكد أن هذا الثبات العملي في السيرة النبوية يمثل دلالة قوية على أن البرد لا يدخل ضمن الأعذار الشرعية التي تبيح الجمع، مشيرًا إلى أن العبادات مبنية على التوقيف، ولا يجوز استحداث رخص لم يرد بها نص أو عمل ثابت.

حدود الرخص الشرعية في الصلاة
وبيّن الخثلان أن الرخص الشرعية في الصلاة محددة بضوابط واضحة، مثل السفر، أو المرض، أو المطر الشديد الذي يسبب مشقة حقيقية، مؤكدًا أن توسيع دائرة الرخص دون دليل يفتح بابًا خطيرًا للتساهل في أداء الفرائض.
وأضاف أن الشريعة راعت أحوال الناس، لكنها في الوقت ذاته لم تجعل كل مشقة سببًا لإسقاط الأحكام، موضحًا أن التفريق بين المشقة المحتملة والمشقة غير المعتادة أمر جوهري في الفقه الإسلامي.

وسائل مشروعة لمواجهة البرد دون مخالفة شرعية
وأشار الخثلان إلى أن مواجهة البرد لا تستلزم مخالفة الأحكام الشرعية، إذ يمكن التغلب عليه بوسائل متعددة ومشروعة، مثل ارتداء الملابس الثقيلة، واستخدام الأغطية المناسبة، وتحسين وسائل التدفئة داخل المساجد، لافتًا إلى أن كثيرًا من المساجد اليوم مجهزة بأنظمة تدفئة متقدمة مقارنة بما كان عليه الحال في السابق.
وأكد أن المجتمعات الإسلامية عبر العصور تعاملت مع ظروف مناخية قاسية، دون أن تجعل ذلك ذريعة لترك الجماعة أو الجمع بين الصلوات بلا سبب معتبر.
حديث الجمع في المدينة وتعدد الأقوال حوله
وتطرق الخثلان إلى الحديث المتداول الذي يفيد بأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر، موضحًا أن هذا الحديث محل نقاش فقهي واسع، وقد تناوله العلماء بتفسيرات متعددة.
وبيّن أن من العلماء من قال إن الجمع كان بسبب المطر، ومنهم من ذهب إلى أنه كان جمعًا صوريًا، أي أن النبي ﷺ أخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الصلاة الثانية في أول وقتها، دون إخراج أي صلاة عن وقتها الشرعي.
وأكد أن هذه التفسيرات لا تتعارض مع النصوص المحكمة التي تقرر وجوب أداء كل صلاة في وقتها المحدد، وأن الاستدلال بهذا الحديث على جواز الجمع بسبب البرد استدلال غير منضبط.
التحايل في العبادات خطر شرعي
وحذّر الخثلان من ظاهرة التحايل في العبادات، مؤكدًا أن التحايل لا يغيّر من حقيقة الفعل شيئًا، بل قد يحول الرخصة إلى باب للتساهل المرفوض شرعًا.
وأوضح أن بعض الناس يلجأ إلى ما وصفه بـ«الحيل»، كالبحث عن أي تأويل يبرر الجمع أو ترك الجماعة، بدل الالتزام بالأصل الشرعي، معتبرًا أن هذا السلوك يتنافى مع مقاصد الشريعة التي تقوم على الامتثال والانضباط.
الجماعة في المسجد وأهميتها الشرعية
وشدد الخثلان على أهمية صلاة الجماعة في المسجد، مبينًا أنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وأن تركها دون عذر معتبر يُعد تفريطًا في واجب عظيم.
وأضاف أن البرد، ما دام في حدود المعتاد، لا يسقط هذا الواجب، خاصة مع توفر الوسائل التي تخفف أثره، داعيًا إلى تعزيز ثقافة الالتزام، لا ثقافة البحث عن الأعذار.
انتشار الفتاوى السريعة عبر المنصات الرقمية
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد دور منصات التواصل الاجتماعي في نشر الفتاوى المختصرة والمقاطع المجتزأة، ما يسهم أحيانًا في نقل أحكام فقهية دون سياقها العلمي الكامل.
وأشار مراقبون إلى أن سرعة تداول المحتوى الديني قد تؤدي إلى سوء فهم الأحكام الشرعية، خاصة حين تُطرح دون تفصيل أو ضوابط، وهو ما يبرز أهمية الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين.
الفرق بين البرد والمطر في الفقه الإسلامي
وبيّن مختصون أن الفقهاء فرّقوا بوضوح بين البرد والمطر، حيث اعتبروا المطر الشديد عذرًا معتبرًا في بعض الحالات، لما يسببه من مشقة مباشرة في الذهاب إلى المساجد، بينما لم يُدرجوا البرد ضمن هذه الأعذار، لكونه قابلًا للتعامل معه بوسائل متعددة.
وأكدوا أن هذا التفريق يعكس دقة المنهج الفقهي في تقدير الأعذار، وعدم الخلط بين الحالات المختلفة.
أثر الالتزام بالأحكام على استقرار المجتمع
ويرى متابعون أن الالتزام بالأحكام الشرعية الواضحة يسهم في ترسيخ الانضباط الديني، ويمنع الفوضى الفقهية التي قد تنشأ عن التوسع غير المنضبط في الرخص.
وأشاروا إلى أن وضوح المرجعية الدينية يعزز الثقة في الخطاب الشرعي، ويحد من حالة الجدل المستمر التي تتجدد مع كل ظرف مناخي أو طارئ اجتماعي.
رسالة توعوية للمصلين
واختتم الخثلان حديثه بدعوة المصلين إلى التمسك بالأحكام الثابتة، وعدم الانسياق وراء الفتاوى غير الموثوقة، مؤكدًا أن العبادة قائمة على الامتثال، وأن الأجر يزداد مع المشقة المحتملة التي لم تبلغ حد العذر الشرعي.
وشدد على أن المحافظة على الصلاة في وقتها ومع الجماعة، مع اتخاذ الأسباب المشروعة للتخفيف من البرد، تمثل توازنًا عمليًا بين الالتزام الشرعي ومراعاة الواقع.
هل يجوز الجمع بين الصلوات بسبب البرد الشديد؟
لا، البرد الشديد وحده لا يُعد عذرًا شرعيًا يبيح الجمع بين الصلوات.
هل يجوز الصلاة في المنزل بدل المسجد بسبب البرد؟
الأصل أداء الصلاة في المسجد، ويمكن مواجهة البرد بوسائل مشروعة مثل الملابس الثقيلة والتدفئة.
ما المقصود بالجمع الصوري؟
هو أداء الصلاة الأولى في آخر وقتها، والصلاة الثانية في أول وقتها، دون إخراج أي صلاة عن وقتها الشرعي.
هل ورد عن النبي ﷺ الجمع بين الصلوات بسبب البرد؟
لم يرد ذلك في السيرة النبوية، رغم وجود البرد الشديد في زمنه ﷺ.
ما العذر الشرعي الذي يبيح الجمع بين الصلوات؟
مثل السفر، أو المرض، أو المطر الشديد الذي يسبب مشقة حقيقية، وفق ضوابط فقهية معروفة.
هل التحايل في الرخص الشرعية جائز؟
لا، التحايل في العبادات مرفوض شرعًا، والرخص تُؤخذ بقدرها ووفق ما ثبت بالدليل.
اقرأ أيضًا: تحذير إسرائيلي من مخطط اغتيال يستهدف الرئيس السوري أحمد الشرع



