عباد الكلاب
عمر غازي
في يونيو 2019 أعلنت وزارة الصحة في مصر عن تسجيل 6241 حالة دخول للمستشفيات بسبب هجمات كلاب ضالة في محافظة المنوفية وحدها خلال أربعة أشهر فقط، وروى أحد المصابين لوسيلة إعلام عربية كيف خرج من بيته دقائق فهجم عليه كلب من قطيع يطوف بالشارع بلا مالك ولا رقيب، هذه الواقعة لم تكن استثناءً بل نموذجًا مكثفًا لحالة عامة تشهدها مدن وقرى مختلفة حيث تحولت الكلاب الضالة من خلفية مألوفة للشارع المصري إلى تهديد يومي للأطفال والكبار معا.
أظهرت بيانات لمنظمة الصحة العالمية بالتعاون مع الحكومة المصرية أن نحو 200000 حالة عضة حيوان تُسجل سنويًا في مصر، أغلبها من الكلاب، وأن عدد الوفيات البشرية بسبب داء الكلب يدور حول 50 إلى 60 حالة كل عام، كثير منها بين الأطفال من عمر 5 إلى 14 سنة، كما أشارت تقارير صحفية دولية عام 2020 إلى تقدير حكومي لعدد الكلاب الضالة في مصر بحوالي 15 مليون كلب يجوبون الشوارع بلا تطعيم منتظم ولا رقابة حقيقية، أي أننا أمام وضع يجمع بين انتشار حيوانات يمكن أن تنقل مرضًا مميتًا وبين منظومة صحية تحاول اللحاق بالأثر بعد وقوعه.
في المقابل قدّرت “الاتحاد المصري لرفق الحيوان” عام 2024 عدد القطط الضالة بحوالي 100 مليون قطة إلى جانب 15 مليون كلب ضال، بينما تتحدث تقارير أخرى عن أرقام أكبر تصل إلى عشرات الملايين من الكلاب، وإن كانت هذه الأرقام نفسها محل جدل فإن الثابت أن مصر تعيش تضخمًا حقيقيًا في أعداد الحيوانات الضالة مع غياب تشريع عصري واضح للرفق بالحيوان من جهة، وحماية الإنسان والصحة العامة من جهة أخرى، وهذا الفراغ التشريعي فتح الباب لصراع حاد بين سكان يطالبون بالسيطرة على الظاهرة حفاظًا على أطفالهم، ونشطاء يرفعون شعار الرحمة ويعارضون أي محاولات للتدخل إذا مست كلبًا واحدًا بسوء.
في قلب هذا الصراع ظهر نمط بشري غريب يمكن أن نسميه مجازًا “عباد الكلاب”، أشخاص لم يعودوا يدافعون عن مبدأ عام للرفق بالحيوان بقدر ما يحوّلون الكلاب نفسها إلى مركز أخلاقي مطلق، يثورون لأجلها أكثر مما يثورون لأجل بشر نهشهم الخوف والمرض، ويستميتون في تعطيل أي قرار تنظيمي بحجة الرحمة بينما لا يشغلهم كثيرًا أن هناك من يدفع ثمن هذه الرحمة الانتقائية من جسده ووقته وماله، كأن حياة الإنسان أصبحت تفصيلًا يمكن التفاوض عليه بينما حياة الكلب خط أحمر لا يُمس.
المشكلة هنا ليست في حب الحيوانات ولا في الرغبة في منع القسوة عنها، فهذا جانب إنساني محمود حين يبقى في مكانه الطبيعي، بل في انقلاب سلم الأولويات، حين تتحول كل محاولة للسيطرة العلمية المنظمة على أعداد الكلاب الضالة إلى “مجزرة” في الخطاب، وكل موظف بيطري أو مسؤول محلي إلى “قاتل” في منشورات مواقع التواصل، مع أن الدراسات الصحية تؤكد أن داء الكلب ما زال من أخطر الأمراض الفيروسية في العالم وأن الكلاب مسؤولة عن 99٪ من حالات العدوى البشرية عالميًا، وأن جزءًا كبيرًا من الوفيات يقع في أفريقيا وآسيا بين أطفال فقراء لا يملكون ترف العلاج السريع ولا الوقاية المسبقة.
أظهرت دراسة منشورة عام 2025 حول الوقاية من السعار في مصر أن البلاد تسجل أكثر من 200000 عضة حيوان سنويًا، معظمها من الكلاب، وأن التقدير ما زال يدور حول 60 حالة وفاة بشرية في السنة، مع أعباء اقتصادية كبيرة على النظام الصحي لتوفير اللقاحات والعلاج بعد التعرض، أي أن ما يُقدم أحيانًا في النقاش العام على أنه “رحمة بالكلاب” يتجاهل أن هذه الرحمة ذات كلفة بشرية ومالية يدفعها النظام الصحي والأسر والأطفال الذين يتحملون وحدهم ألم الحقن المتكررة والخوف من مرض مميت.
جزء من المشكلة أن صورة المشهد على مواقع التواصل انتقائية بطبيعتها، تُشارك آلاف المرات مقاطع لكلب يتعرض لقتل بدائي أو تسميم مؤلم، وهو مشهد يستحق الغضب بالتأكيد، لكن نادرًا ما تنتشر بالمستوى نفسه صورة طفل يقف في طابور طويل في وحدة صحية ينتظر جرعة جديدة من لقاح السعار بعد عضة كلب ضال، أو صورة فلاح خسر دابته أو بعض ماشيته بسبب كلاب هجومية، أو أسرة ريفية تعيش في رعب حقيقي من مرور أبنائها في طريق مدرستهم وسط قطعان من الكلاب، كأن العدسة الرقمية قررت أن ترى جهة واحدة من المأساة وتمنحها حق احتكار الرحمة.
هذا الانحياز العاطفي غذّته أيضًا موجة “تأليه الحيوانات الأليفة” في بعض الأوساط الحضرية، حيث يُعامل الكلب أحيانًا بوصفه امتدادًا للذات أو تعويضًا عن علاقات بشرية معقدة، فيُسقط صاحبه عليه كل مشاعر الحنان والرعاية التي يعجز عن ممارستها مع بشر حقيقيين، ثم يتطور الأمر إلى موقف خطابي عام يرفض أي نقاش حول تنظيم أعداد الكلاب الضالة أو تشريعات تلزم أصحاب الكلاب بالتطعيم والتسجيل وعدم تركها في الشارع، وكأن الحرية المطلقة للحيوان أصبحت جزءًا من هوية صاحبه وصورته أمام نفسه وأمام متابعيه، ولو ترتب على هذه الحرية تهديد مباشر لسلامة آخرين لا صوت لهم في الفضاء الرقمي.
الرحمة الحقيقية لا تُختبر في مقطع فيديو مؤثر فقط، بل في قدرتنا على بناء حلول توازن بين حق الإنسان في الأمان وحق الحيوان في معاملة لائقة، المنظمات الدولية التي تعمل على القضاء على السعار لا تدعو إلى الإبادة العشوائية للكلاب بل إلى برامج متكاملة تشمل التطعيم الشامل، والتعقيم، وتحديد “العدد الآمن” للكلاب في البيئة الحضرية، ومعاملة الحيوانات بطرق علمية لا بدائية، ومع ذلك فإن أي محاولة في هذا الاتجاه في بعض البلدان تتحول تحت ضغط “عباد الكلاب” إلى اتهام بالخيانة للقيم الإنسانية، مع أن جوهر هذه البرامج هو حماية الإنسان أولًا وتوفير ظروف أقل خطورة للحيوان نفسه.
المفارقة أن هذه الفئة التي ترفع شعار الرحمة المطلقة قلّما تطالب بسياسات جادة تمنع من يقتني كلبًا مستوردًا ثم يلقيه في الشارع عند أول ضيق مالي، أو بقوانين تلزم أصحاب الكلاب بالتعليم والتدريب وعدم تركها بلا ضوابط، أو بمحاسبة البلديات التي لا توفر بنية تحتية حقيقية لبرامج التطعيم والتعقيم، إذ من الأسهل دائمًا مهاجمة أي إجراء حكومي باعتباره “قمعًا للكلاب” من الدخول في تفاصيل معقدة تتطلب رؤية وسياسة وتكاليف ووقتًا طويلًا، وهنا يتراجع المبدأ الأخلاقي لصالح اللقطة المؤثرة القابلة للمشاركة.
يبقى السؤال معلقًا فوق هذا المشهد كله، كيف يمكن أن نعيد ترتيب سلم الرحمة بحيث لا تتحول الكلاب إلى آلهة جديدة تُقدَّم على الإنسان، ولا يعود الدفاع عن الحيوان ذريعة لتجاهل أوجاع البشر، ولا تتحول الكراهية للكلاب من جهة أو عبادتها من جهة أخرى إلى بديل عن سياسات عقلانية تحمي العباد والبلاد معًا، وهل نمتلك شجاعة القول إن هذه الحياة وُضعت أصلًا لكرامة الإنسان أولًا، وأن كل ما فيها من مخلوقات مُسخَّر له، دون أن نسمح لسوء فهم الرحمة أن يجعلنا نرى دم الكلب ولا نرى خوف الطفل الذي يمر جواره كل صباح؟



