عمر غازيكُتاب الترند العربي

المنافسة

عمر غازي

في أحد الأسواق الإفريقية الصاعدة، فوجئت شركة عالمية برفض دخول علامتها التجارية بسبب تسجيل مسبق باسم شركة محلية لا تمتلك منتجًا مشابهًا ولا تطمح إلى ذلك، بل كان الهدف بسيطًا وخطيرًا في آن واحد، إغلاق الباب في وجه الآخر، منع دخوله من الأساس، لا مجاراته، ولا التفوق عليه.

المشهد ليس حالة فردية، بل مرآة ذهنية لأشخاص يرون المنافسة من زاوية بدائية، إما أنا أو لا أحد، لا يسعون إلى التفوق بمنتج أفضل أو خدمة أرقى، بل يظنون أن الطريق الوحيد للنجاح هو إعاقة الآخرين، وكأنهم لا يحتملون وجودهم على الساحة، هذه النظرة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر انتشارًا في بيئات العمل والأسواق التي يغيب عنها القانون أو تغيب فيها العدالة التنافسية

الفرق بين نوعين من البشر يظهر بوضوح في فهمهم للمنافسة، البعض يرى أن المنافسة معناها أن أكون موجودًا وأنت أيضًا موجود، وسأبذل جهدي لأكون أفضل، بينما البعض الآخر يرى أن النجاح لا يكتمل إلا بغيابك، بل يعمل على تقليصك أو إخراجك من المعادلة تمامًا، هذا ليس سلوكًا تنافسيًا بقدر ما هو رد فعل مرضي يحركه القلق من المقارنة، والخوف من التفوق الحقيقي.

الأمر يتجاوز الأخلاق ليمس جوهر الاقتصاد، فبحسب تقرير لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD صدر عام 2022، فإن الأسواق التي تنتشر فيها ممارسات إقصاء المنافسين بدلاً من التنافس معهم، تسجل تباطؤًا في معدلات النمو بنسبة 20%، وتراجعًا في معدلات الابتكار بنسبة 35%، بينما ترتفع معدلات الاحتكار وغياب التنوع، وهو ما يؤدي إلى اختناق السوق على المدى الطويل

حتى على المستوى الفردي، فإن ثقافة إقصاء الآخر تقود إلى نتائج عكسية، حيث أظهرت دراسة أجرتها جامعة كولومبيا عام 2021 أن 68% من المدراء الذين اتخذوا قرارات تهدف إلى تقييد أو تحجيم المنافسين بشكل مباشر، خسروا ثقة العملاء والشركاء خلال ثلاث سنوات فقط، وفقدوا حصتهم السوقية لصالح منافسين أكثر انفتاحًا وأقل عدوانية.

المفارقة أن من يحاول منع الآخرين من الرزق يتوهم أنه قادر على التحكم في مصائر الناس، بينما الحقيقة أن الرزق لا يُمنح ولا يُمنع بيد أحد، بل يُطلب ويُبذل له الجهد، والذين يظنون أن بإمكانهم أن يغلقوا على غيرهم أبواب النجاح، لا يعلمون أن السوق لا يكافئ من يحتكر ولا يرحم من يمنع.

في إحدى ورشات التدريب على التفكير الريادي، سأل أحد الحضور مدربًا معروفًا: “هل تعتقد أنني إذا انسحبت من هذا المجال سيخسر السوق؟” فأجابه المدرب بهدوء: “السوق لا يفتقد أحدًا، بل يعيد تشكيل نفسه كل يوم، والأرزاق لا تتوقف على الأسماء، بل على القيمة التي تضيفها”.

هذه النظرة الواقعية للمنافسة تُعلّمنا أن احترام وجود الآخرين ليس ضعفًا، بل وعي، وأن السعي إلى التفوق لا يعني السعي إلى الإقصاء، فالفائز الحقيقي هو من يُثبت نفسه في وجود الجميع، لا من ينتصر لأن الآخرين غائبون.

يبقى السؤال إذًا: هل نُربي أبناءنا ومؤسساتنا على التنافس، أم على الإزاحة؟ وهل نرى في نجاح الآخرين تهديدًا، أم فرصة لتطوير الذات؟ المستقبل سيجيب، لكن المؤشرات تقول إن من يعادي المنافسة، يعادي نفسه قبل أن يعادي غيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى