الأزهر يحسم الجدل ويواجه موجة “الاكتفاء بالقرآن” بتحذير صريح من إنكار السنّة
الترند بالعربي – متابعات
عاد الجدل حول دعوات «الاكتفاء بالقرآن» إلى الواجهة في مصر خلال الأيام الأخيرة، بعدما انتشرت منشورات ومقاطع مصوّرة على منصات التواصل تروّج لفكرة إسقاط مكانة السنّة النبوية أو التعامل معها بوصفها «تراثاً تاريخياً» لا مصدراً تشريعياً، وهو ما دفع الأزهر الشريف إلى إصدار بيان رسمي حاسم، أكد فيه أن إنكار السنّة ليس مجرد رأي اجتهادي، بل مسار يهدد بنية التشريع ويقوّض منظومة الاستدلال التي استقرت عليها الأمة عبر قرون، محذراً من أن خطاب الاجتزاء وإثارة الشبهات يفتح الباب للفوضى الدينية والارتباك المجتمعي
لماذا تحرك الأزهر الآن
جاء بيان الأزهر في توقيت حساس، مع تزايد تداول محتوى يستهدف شرائح واسعة من الجمهور، خصوصاً الشباب، عبر لغة مبسطة وشعارات براقة مثل «العودة للنص» و«تنقية الدين من التراث» و«القراءة المعاصرة»، وهي عبارات يراها الأزهر مدخلاً لإعادة تشكيل الوعي الديني خارج المنهج العلمي، بما يحول القضايا الكبرى إلى مادة جدلية سريعة الاستهلاك، ويحوّل الأحكام الشرعية إلى سجالات عاطفية، ويضعف ثقة الناس في المرجعيات العلمية التي بنت تاريخها على التخصص والانضباط

الأزهر يحدد جوهر المشكلة
ركز البيان على أن المشكلة لا تتعلق بطرح أسئلة أو رغبة في الفهم، بل بنمط تفكير يقوم على القطيعة مع المنهج، والانتقاء من النصوص، وتفكيك مصادر التشريع تدريجياً، ثم تقديم ذلك بوصفه «تحرراً» أو «تجديداً»، بينما هو في حقيقته، وفق رؤية الأزهر، محاولة لتجريد الدين من أدواته التي تضبط فهمه وتطبيقه، لأن فصل القرآن عن السنّة عملياً يعني فصل النص عن بيانه، وفصل الأصول عن آليات تنزيلها على الواقع
السنّة ليست «تراثاً تاريخياً»
أكد الأزهر بوضوح أن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وأن التعامل معها باعتبارها مجرد تاريخ هو ادعاء يتجاهل طبيعة البناء الفقهي الذي تشكل عبر العصور، فالسنّة ليست روايات متفرقة، بل هي إطار تفسيري وتطبيقي يبين مقاصد النص ويحدد كيفية الامتثال، ويمنح التشريع توازنه بين النص والممارسة، وبين المبادئ والتفاصيل، وبين المعاني العامة والوقائع الجزئية
تكامل القرآن والسنّة في التشريع
يتوقف الأزهر عند فكرة محورية مفادها أن القرآن والسنّة لا يتنافسان ولا يتضادان، بل يتكاملان، فالقرآن يضع الأصول الكلية والمقاصد الكبرى، بينما تأتي السنّة لتفصل وتوضح وتشرح وتبين التطبيق العملي، وتؤسس لأحكام في مسائل لم يرد فيها تفصيل نصي، وهذا التكامل هو ما جعل الفقه الإسلامي قادراً على الاستمرار والتطور ضمن أطر علمية، بعيداً عن الارتجال أو الاستسهال
تحذير من «هدم أصول الفقه»
في لهجة قوية، اعتبر الأزهر أن إنكار السنّة يمثل محاولة لهدم منظومة أصول الفقه الإسلامي، لأن هذه المنظومة ليست مجرد كتب قديمة، بل هي قواعد الاستدلال التي تحمي الفهم من الانحراف، وتمنع تحميل النصوص ما لا تحتمل، وتضع ضوابط للترجيح بين الأدلة، وتحدد مساحة الاجتهاد وحدوده، كما أنها الإطار الذي يضمن أن الاختلاف العلمي يبقى اختلافاً منضبطاً لا يتحول إلى فوضى تفسيرية

مفهوم «الحوكمة المعرفية» في ضبط الرواية
يقدم الأزهر في بيانه فكرة يمكن تلخيصها في أن الفكر الإسلامي اعتمد نظاماً دقيقاً من «الحوكمة المعرفية» لضبط رواية السنّة وتفسير النصوص، أي أن التعامل مع الحديث النبوي لم يكن عشوائياً ولا قائماً على نقل بلا تمحيص، بل نشأت علوم كاملة تتعلق بالسند والمتن والعلل والجرح والتعديل، وتطورت مناهج التحقق والمقارنة، ما أنتج تراثاً علمياً ضخماً هدفه حماية الدين من الدخيل، وتثبيت الموثوق، وتحديد المقبول والمردود وفق أدوات تخصصية
كيف يصنع خطاب «الاكتفاء بالقرآن» ارتباكاً مجتمعياً
يرى الأزهر أن خطورة هذا الخطاب لا تقتصر على الجانب العلمي، بل تمتد إلى أثره المباشر على استقرار المجتمع، لأن إسقاط السنّة يعني عملياً فتح باب كل شخص ليصنع «إسلامه الخاص» حسب قراءته الفردية، وحسب ما يلتقطه من سياقات ومعانٍ، ما ينتج تعدداً غير منضبط في الأحكام والمواقف، ويحول الدين من مرجعية جامعة إلى تفسيرات متصادمة، ويزيد من الاستقطاب بين الناس، ويؤسس لبيئة خصبة للتطرف أو التفلت، كلٌ وفق مزاجه وأدواته
البيان يربط بين الظاهرة ومحاولة «هدم المنظومة»
اللافت في خطاب الأزهر أنه لم يتعامل مع المسألة بوصفها نقاشاً هامشياً، بل بوصفها مساراً يسعى إلى هدم المنظومة من الداخل، بدءاً من التشكيك في مصادر التشريع، مروراً بالطعن في العلماء والأئمة، وصولاً إلى زعزعة الثقة في الثوابت، وهي خطوات متتابعة قد تبدو منفصلة للمتلقي العادي، لكنها في نظر الأزهر تصنع في النهاية انفصالاً عن الإجماع العلمي، وتفتح الباب لنسف قواعد الاستدلال برمتها
نداء إلى وسائل الإعلام: الدقة قبل الإثارة
ضمن رسائل البيان، وجّه الأزهر نداءً لوسائل الإعلام المختلفة بضرورة تحري الدقة والموضوعية عند تناول القضايا الدينية، لأن بعض القضايا تتحول سريعاً إلى «ترند» يلتهم المعنى، ويعيد إنتاجه في صورة ضجيج، ثم يترك وراءه أثراً يصعب إصلاحه، كما شدد على مراعاة أحوال الناس ومشاعرهم، وعدم فتح المنابر لمن يقدمون آراء شاذة بوصفها «بدائل علمية»، لأن ذلك يساهم في تشويش وعي الجمهور ويغذي الاستقطاب
كيف يتعامل الأزهر مع الشبهات المنتشرة بين الشباب
أعلن الأزهر أن المواجهة لن تكون فقط عبر بيانات عامة، بل عبر مسار علمي يركز على تقديم ردود وافية ومفصلة، بلغة ميسرة، وبأسلوب يناسب الفئات العمرية المختلفة، خصوصاً فئة الشباب، لأن المعركة في جانب منها هي معركة أدوات تواصل، فالشبهات تنتشر بلغة قصيرة سريعة، والرد العلمي إذا بقي في لغة نخبوية قد لا يصل إلى المتلقي الذي يتلقى أفكاره من مقاطع قصيرة ومحتوى سريع التغيير
توجيهات شيخ الأزهر: ردود علمية بلغة مبسطة
أشار البيان إلى توجيهات أحمد الطيب للمتخصصين في هيئات الأزهر المختلفة بنشر ردود علمية وافية ومفصلة على ما أثير من شبهات، وتقديمها من خلال شباب الباحثين بالأزهر، بما يحقق هدفين في آن واحد، الحفاظ على رصانة المنهج، وضمان وصول الرسالة إلى الجمهور الواسع دون تعقيد أو تعالٍ لغوي
الخطاب الديني بين «التجديد» و«القطيعة»
يأتي هذا السجال في سياق أوسع يتعلق بمفهوم التجديد، فالتجديد في المدرسة العلمية لا يعني قطع الجذور ولا هدم المصادر، بل يعني إعادة عرض المعاني وتفسير القضايا المستجدة وفق أصول الاستدلال، أما القطيعة مع السنّة والطعن في التراث بإطلاق، فهي في نظر الأزهر ليست تجديداً، بل انتقال إلى حالة من اللايقين المعرفي، حيث تختلط الدعوة إلى التفكير الحر بالدعوة إلى تفكيك المرجعيات، ويصبح الدين قابلاً للانكماش داخل أهواء فردية أو موجات رقمية
لماذا يرفض الأزهر «قراءات بلا أصول»
الأزهر، بوصفه مؤسسة علمية، لا يرفض سؤالاً أو بحثاً، لكنه يرفض أن يتحول النص إلى مادة مفتوحة بلا قواعد، لأن القراءة بلا أصول تنتج تفسيراً بلا ضمانات، وتسمح بإعادة تعريف المسلمات وفق رغبات اللحظة، وفي هذا المسار يصبح النص خاضعاً للانتقاء، ويصبح الاستدلال مجرد تزيين للرأي، لا انطلاقاً من الدليل إلى الحكم، بل من الرغبة إلى النص، ثم البحث عن ما يبدو مؤيداً لها
ماذا يعني «إنكار السنّة» عملياً في حياة الناس
على مستوى الواقع، إنكار السنّة لا يبقى فكرة نظرية، بل ينعكس على ممارسات الدين اليومية، لأن تفاصيل العبادة والمعاملات والأحوال الشخصية ارتبطت عبر التاريخ بالتكامل بين القرآن والسنّة، وعندما تُسقط السنّة، تظهر أسئلة لا تنتهي حول كيفية التطبيق، ويبدأ كل تيار في تقديم «نسخته» من الدين، وهو ما يخلق فوضى في المرجعية، ويضعف قدرة المجتمع على الحفاظ على وحدة الفهم في القضايا الكبرى، حتى مع وجود اختلافات طبيعية داخل المذاهب
خطورة الطعن في العلماء والأئمة
لفت الأزهر إلى أن بعض المحتوى المتداول لا يكتفي بطرح فكرة الاكتفاء بالقرآن، بل يتوسع في الطعن في كبار الأئمة وتشكيك الناس في ثوابت دينهم، وهو ما يراه الأزهر أخطر من الفكرة نفسها، لأن تفكيك الثقة في العلماء يعني ترك الناس دون مرجعية علمية، وهو ما يفتح الباب لتصدر غير المتخصصين، وتحوّل النقاش الديني إلى سوق آراء متصارعة، تتقدم فيه الشهرة على العلم، والمشهدية على المنهج، والعبارة الصادمة على الدليل
الدين في عصر المنصات: كيف تتحول الشبهة إلى موجة
في زمن المنصات، قد تتحول جملة واحدة إلى موجة جدلية، وقد تتقدم الانفعالات على التفكير، ويصبح المحتوى الذي يثير الدهشة أو الغضب أكثر انتشاراً من المحتوى الذي يشرح بهدوء، وهنا يظهر تحدي المؤسسات العلمية، ليس فقط في إنتاج الرد، بل في طريقة تقديمه، وفي القدرة على مخاطبة الجمهور بلغة يفهمها، مع الحفاظ على الدقة والوقار، وهو ما يراهن عليه الأزهر عبر توجيهاته الخاصة بتقديم ردود علمية بلغة ميسرة
بين حرية النقاش ومسؤولية الطرح
يشير موقف الأزهر ضمناً إلى أن حرية النقاش لا تعني هدم الأسس، وأن النقد لا يعني إلغاء المصدر، وأن الاختلاف لا يصبح قيمة إلا إذا كان داخل قواعد الاستدلال، أما تحويل القضايا الشرعية الكبرى إلى مادة ساخنة للتفاعل، مع تحريف المعاني أو اقتطاع النصوص، فهو في نظر الأزهر مسار يضر بالمجتمع أكثر مما يفيده، لأنه يخلط بين المعرفة والضجيج، ويجعل الدين موضوعاً يومياً للاستهلاك لا للفهم
كيف يمكن للجمهور التمييز بين «النقاش العلمي» و«الشبهة الرقمية»
يمكن تلخيص معيار التمييز في سؤال بسيط، هل يقدّم الطرح أدوات الاستدلال وأوجه النظر، أم يكتفي بالشعار والاتهام، هل يعترف بتعقيد المسألة أم يقدمها كمعركة ثنائية، هل يحترم مناهج العلم أم يختزلها في سخرية أو طعن، الأزهر في خطابه يدعو ضمنياً إلى هذا الوعي النقدي، لأن حماية المجتمع لا تعتمد فقط على رد مؤسسة، بل على قدرة الجمهور على قراءة المحتوى بعين فاحصة لا بعين منفعلة
رسالة الأزهر الأساسية
خلاصة رسالة الأزهر في هذا الملف أن السنّة ليست هامشاً يمكن شطبه، وأن التشريع الإسلامي ليس نصاً بلا بيان، وأن أصول الفقه ليست ترفاً علمياً، بل صمام أمان يحمي المعنى من التشويه، وأن التصدي للشبهات يجب أن يكون بعلم رصين ولغة ميسرة، مع مسؤولية إعلامية تضع الدقة قبل الإثارة، وتحفظ وعي المجتمع قبل مطاردة التفاعل
هل دعا الأزهر إلى منع النقاش حول السنّة والقرآن
الأزهر لم يطرح المسألة بوصفها منعاً للنقاش، بل بوصفها رفضاً لطرح غير منضبط يقوم على اجتزاء النصوص وتفكيك مصادر التشريع، مع التأكيد على ضرورة العودة إلى المنهج العلمي عند تناول القضايا الدينية
ما المقصود بدعوات «الاكتفاء بالقرآن»
هي اتجاهات تروج لفكرة الاعتماد على القرآن وحده كمصدر للتشريع، مع إسقاط السنّة النبوية كلياً أو جزئياً، وهو ما يرفضه الأزهر باعتباره تفكيكاً لبنية التشريع الإسلامي
لماذا يعتبر الأزهر إنكار السنّة خطراً
لأن السنّة في رؤية الأزهر مصدر تشريعي ثانٍ مكمل للقرآن، ورفضها يفتح الباب لفوضى تفسيرية وارتباك في تطبيق الأحكام، ويؤدي إلى هدم قواعد الاستدلال التي تضبط فهم النصوص
ما الذي طلبه شيخ الأزهر من المؤسسات التابعة
توجيه إعداد ردود علمية وافية ومفصلة على الشبهات المثارة، وتقديمها بلغة ميسرة عبر باحثين شباب، بهدف الوصول إلى الجمهور خصوصاً فئة الشباب وترسيخ الفهم الصحيح للدين
كيف طلب الأزهر من الإعلام التعامل مع القضايا الدينية
بضرورة تحري الدقة والموضوعية، ومراعاة أحوال الناس ومشاعرهم، وعدم فتح المنابر لطرح آراء شاذة قد تثير البلبلة وتضر باستقرار المجتمع الفكري والديني
اقرأ أيضًا: صعود السوق السعودية ينعش أداء البورصات الخليجية



