كُتاب الترند العربي

حين لا نُحسن الاستماع.. تتوتر علاقاتنا رغم كثرة التواصل

ريم المطيري

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾

في القرآن، لا يُمدح من يُكثر الكلام، بل من يُحسن الاستماع.

وربما يفسّر هذا كثيرًا من توتر علاقاتنا اليوم؛ فنحن لا نعاني من قلة تواصل، بقدر ما نعاني من ضعف الإصغاء.

في زمنٍ تتدفّق فيه الرسائل بلا توقف، لم يعد التحدي في عدد القنوات أو كثرة الحديث، بل في جودة التواصل.

نحن نتحدث كثيرًا، ونكتب أكثر، لكننا في المقابل نستمع أقل. والنتيجة: سوء فهم متكرر، توتر في العلاقات، وشعور عام بأن التواصل لم يعد كما كان.

المفارقة أن أدوات الاتصال الحديثة قرّبت المسافات، لكنها أضعفت واحدة من أهم مهارات التواصل الإنساني: الاستماع الحقيقي.

في علم الاتصال، لا يُعد الاستماع عملية سلبية، بل مهارة عقلية ونفسية تتطلب تركيزًا، وفهمًا للسياق، والانتباه لما وراء الكلمات.

غير أن ما نمارسه اليوم غالبًا هو الاستماع من أجل الرد، لا من أجل الفهم.

نقاطع قبل اكتمال الفكرة، نقرأ الرسائل بعجلة، ونفسّر الكلمات وفق مزاجنا لا وفق نية أصحابها. ومع تكرار هذا السلوك، يتحوّل الحوار من مساحة تفاهم إلى ساحة دفاع.

التواصل الرقمي… سرعة تُضعف العمق

أسهمت المنصات الرقمية في تسريع وتيرة التواصل، لكنها في الوقت ذاته قلّلت من عمقه.

الرسائل المختصرة، وغياب نبرة الصوت، وسرعة التلقي، جعلت كثيرًا من الأحاديث اليومية عرضة لسوء التفسير، خاصة في النقاشات الحساسة أو الخلافات.

وتشير تقارير صادرة عن Pew Research Center إلى أن شريحة واسعة من المستخدمين ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي زادت من سوء الفهم وحدّة التوتر بين الناس، بدلًا من أن تعزّز جودة الحوار.

المشكلة هنا ليست في التقنية ذاتها، بل في طريقة استخدامنا لها.

أثر ضعف الاستماع

ضعف مهارة الاستماع لا يمرّ دون ثمن.

في الأسرة، يتحوّل إلى شعور بعدم التقدير، وتراكم خلافات صغيرة كان يمكن احتواؤها لو أُحسن الإصغاء.

وفي بيئة العمل، يؤدي إلى قرارات خاطئة، ونزاعات داخلية، وانخفاض مستوى الثقة.

وعلى مستوى المؤسسات، وامتدادًا إلى علاقتها بجمهورها، لا يقتصر أثر ضعف الاستماع على الداخل التنظيمي فقط، بل ينعكس مباشرة على صورة المؤسسة وسمعتها العامة.

فحين يغيب الإصغاء الحقيقي داخل بيئة العمل، تضعف جودة القرارات، ويتراجع مستوى الثقة بين القيادات والموظفين، وهو ما ينعكس لاحقًا في الخطاب الاتصالي الموجّه للجمهور.

المؤسسة التي لا تُحسن الاستماع داخليًا، غالبًا ما تعجز عن الاستماع خارجيًا، فتتحوّل العلاقة مع الجمهور إلى اتجاه واحد: رسائل تُرسل، وحملات تُطلق، دون فهم عميق للتوقعات أو المخاوف أو ردود الفعل.

وتؤكد دراسات منشورة في Harvard Business Review، إلى جانب تقارير Edelman، أن الاستماع المؤسسي الفعّال يُعد عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة، سواء داخل المنظمة أو في علاقتها بجمهورها. فالمؤسسات التي تُنصت جيدًا لا تدير الأزمات بشكل أفضل فحسب، بل تقلّل من احتمالية وقوعها أساسًا.

متى يكون الصمت تواصلًا؟

ليس كل صمت انسحابًا، وليس كل كلام تواصلًا.

في كثير من المواقف، يكون التمهّل قبل الرد، أو اختيار الصمت المؤقت، سلوكًا اتصاليًا ناضجًا، لا علامة ضعف.

فالتواصل الذكي يقوم على:

• الإصغاء دون استعجال

• فهم السياق قبل الحكم

• اختيار الوقت المناسب للكلام

وهي مهارات يمكن تعلّمها، لكنها تبدأ أولًا بالاعتراف بأننا بحاجة إلى تحسين طريقة استماعنا، قبل تحسين طريقة حديثنا.

في النهاية، لسنا بحاجة إلى كلمات أكثر، ولا إلى منصات جديدة، بل إلى تواصل أهدأ، أكثر إنسانية وعمقًا.

فجودة علاقاتنا، في جوهرها، انعكاس مباشر لجودة استماعنا.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى