
الطيبون
عمر غازي
لم أكن طيبًا يومًا بالمعنى الذي يُثير الشفقة.
لم أكن ذلك الشخص الذي يجهل متى يتكلم، أو يخاف من الرفض، أو يخلط بين الصمت والعجز.
كنت أعرف دائمًا ما أفعل، ولم أفعله صدفة.
عرفت متى أصمت لأن الكلام لا يغيّر شيئًا، ومتى أطلب لأن الطلب حق لا منّة، ومتى أرفض لأن القبول في تلك اللحظة كان خيانة للنفس.
ومع ذلك، لم يُحسب هذا الوعي لي.
العالم لا يسأل كثيرًا عن نيتك، ولا يهتم بما دار في رأسك قبل القرار، هو يرى النتيجة فقط… ويعيد تفسيرها بما يناسبه.
حين تصمت لأنك فهمت اللعبة، يُسجَّل صمتك كضعف.
وحين تتنازل مرة لأنك اخترت ذلك، تتحول إلى شخص “يمكن التنازل معه دائمًا”.
لا أحد يرى الحسابات الداخلية.
لا أحد يميّز بين الصمت الحكيم، والصمت الذي لا حيلة له.
كنت أرفض بلا صراخ، وأطلب بلا استعراض، وأمضي دون شرح زائد.
لكن هذا النوع من الطيبة لا يترك أثرًا واضحًا، ولا يصنع خوفًا كافيًا، ولا يرسم حدودًا يراها الآخرون.
اكتشفت أن العالم لا يكافئ من يفهم القواعد، بل من يخرقها أمام الجميع.
لا ينتبه لمن يعرف متى يتراجع، بل لمن لا يتراجع أبدًا، حتى لو كان مخطئًا.
الطيبة الواعية ليست ضعفًا، لكنها تُعامَل كضعف طالما لم تُعلَن حدودها بصوتٍ مسموع.
والحدود التي لا تُرى، تُمحى.
والحقوق التي لا تُطالب بوضوح، تتحول إلى فضل يمنحه الآخرون أو يمنعونه.
لم أندم على اختياراتي، ولا على صمتي في مواضعه الصحيحة، ولا على وعيي الذي أنقذني من كثير من الاندفاع.
لكنني تعلمت متأخرًا بما يكفي
أن الطيبة التي لا تُقلق أحدًا…
تُداس دون اعتذار.



