سياسة

زلزال مالي خاطف.. كيف تبخّر 12 تريليون دولار من الأسواق العالمية خلال 48 ساعة؟

الترند بالعربي – متابعات

في واحدة من أسرع موجات الاضطراب المالي التي شهدتها الأسواق منذ سنوات، فقدت الأسواق العالمية أكثر من 12 تريليون دولار من قيمتها خلال 48 ساعة فقط، في تحرك متزامن ضرب المعادن النفيسة والأسهم الأميركية وأعاد إلى الواجهة أسئلة كبرى حول هشاشة التسعير في عصر السيولة السريعة والرافعة المالية العالية.

ما حدث لم يكن مجرد تراجع اعتيادي، بل موجة بيع واسعة النطاق مست أصولاً تُعد تقليدياً ملاذات آمنة مثل الذهب والفضة، إلى جانب مؤشرات الأسهم الكبرى، في مشهد عكس تحولاً حاداً في شهية المخاطرة لدى المستثمرين حول العالم.

هذا التبخر السريع للثروات أعاد إلى الأذهان أزمات مالية سابقة، وأظهر كيف يمكن لتغير التوقعات النقدية والمضاربات المكثفة أن يصنعا تصحيحات عنيفة في وقت قصير للغاية.

انهيار المعادن النفيسة يقود العاصفة

الصدمة الأكبر جاءت من سوق المعادن النفيسة. فقد هبط الذهب بنسبة 16.36%، ما أدى إلى فقدان نحو 6.38 تريليون دولار من قيمته السوقية. أما الفضة فكانت الضربة عليها أعنف، إذ انهارت بنسبة 38.9% مع تبخر ما يقارب 2.6 تريليون دولار.

ولم ينجُ البلاتين والبلاديوم من الموجة، حيث تراجع البلاتين بنحو 29.5% بخسائر قاربت 235 مليار دولار، فيما فقد البلاديوم حوالي 25% من قيمته بما يعادل 110 مليارات دولار.

هذه الأرقام الضخمة تعكس ليس فقط حركة أسعار، بل إعادة تسعير واسعة لأصول كانت تتداول عند مستويات مرتفعة تاريخياً بعد موجات صعود قوية.

الأسهم الأميركية تدخل دائرة الخسائر

في موازاة ذلك، لم تكن وول ستريت بمنأى عن العاصفة. فقد تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.88%، ما محا نحو 1.3 تريليون دولار من القيمة السوقية للشركات المدرجة فيه. كما هبط مؤشر ناسداك بنسبة 3.15% بخسارة تقارب 1.38 تريليون دولار، بينما خسر مؤشر راسل 2000 قرابة 100 مليار دولار.

ورغم أن نسب التراجع في الأسهم بدت أقل حدة من المعادن، فإن حجم القيم السوقية جعل الخسائر ضخمة بالقيمة المطلقة.

12 تريليون دولار.. رقم يتجاوز اقتصادات دول

إجمالي الخسائر التي تجاوزت 12 تريليون دولار يفوق الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات كبرى. ورغم أن هذه المقارنات تُستخدم للتوضيح أكثر من الدقة الحسابية، فإنها تعكس ضخامة الحدث وسرعة انتقال الصدمة بين الأسواق.

في عالم مالي مترابط، لم تعد الأسواق تتحرك في جزر منفصلة، بل تتأثر ببعضها بسرعة البرق، خصوصاً في ظل التداول الخوارزمي وصناديق المؤشرات والتدفقات العابرة للحدود.

قمم تاريخية سبقت السقوط

المعادن النفيسة كانت قبل الهبوط تتحرك عند مستويات شديدة التمدد. الفضة تحديداً سجلت قمماً تاريخية بعد أن حققت خلال 12 شهراً عائداً يفوق ثلاثة أضعاف، وهو تسارع نادر لأصل تتراوح قيمته السوقية بين 5 و6 تريليونات دولار.

وعند الذروة، كانت الفضة مرتفعة بنحو 65% إلى 70% منذ بداية العام، ما جعل السوق مزدحمة بالمشترين المتأخرين الذين دخلوا خوفاً من فوات الفرصة.

أما الذهب، فجاء إلى لحظة التصحيح بعد مسار صعود شبه عمودي مدفوع بتوقعات التيسير النقدي وضعف العملات، ما جعل جني الأرباح عند تلك المستويات أمراً متوقعاً لدى كثير من المحللين.

الرافعة المالية.. الوقود الخفي للانهيار

الجزء الأكبر من التدفقات لم يذهب إلى المعدن الفعلي، بل إلى العقود الآجلة والعقود الورقية المرفوعة بالرافعة المالية. وهذا يعني أن المستثمرين كانوا يسيطرون على مراكز كبيرة بأموال مقترضة.

عندما بدأ السعر في الانعكاس، فعّلت أنظمة الهامش والتصفية القسرية سلسلة من أوامر البيع التلقائي، ما سرّع الهبوط. هذه الآلية تجعل التراجعات الحادة تتحول أحياناً إلى انهيارات متسارعة.

السردية السائدة قبل الهبوط كانت تتحدث عن وصول الفضة إلى 150 أو حتى 200 دولار، وهي توقعات غذّت بناء مراكز شراء ضخمة قرب القمم.

تحول في رهانات السياسة النقدية

على الصعيد النقدي، كانت الأسواق متموضعة منذ أشهر على أساس الغموض بشأن قيادة مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي. هذا الغموض دعم أسعار المعادن، إذ تميل الأصول الصلبة للاستفادة من عدم اليقين.

لكن مع ارتفاع احتمالات ترشيح الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمصرفي كيفن وارش لرئاسة الفدرالي، بدأت التوقعات تتغير.

وارش معروف بانتقاداته للتيسير الكمي المفرط والتوسع الطويل في الميزانية العمومية، ما أعطى إشارة إلى سياسة أكثر انضباطاً وأقل ميلاً للسيولة السهلة.

انقلاب في التوقعات لا في القرارات

اللافت أن الأسواق لم تنتظر قرارات فعلية، بل تفاعلت مع التوقعات. فالمستثمرون كانوا يسعرون سيناريو خفض سريع للفائدة مع ضخ سيولة واسع. الإشارة إلى قيادة أكثر تحفظاً قلبت هذه الرهانات.

ورغم أن هذا العامل وحده لا يفسر الانهيار، فإنه سرّع الخروج من المعادن في سوق مشبعة بالمراكز المرفوعة.

سلوك القطيع في الأسواق الحديثة

ما حدث يعكس أيضاً سلوك القطيع، حيث يتبع المستثمرون الاتجاه السائد. في الصعود يتدفقون معاً، وفي الهبوط يندفعون إلى المخارج في وقت واحد.

وسائل التواصل والمنصات الرقمية تضخم هذه الظاهرة، إذ تنتشر الأخبار والتحليلات بسرعة، ما يزيد حساسية المتداولين لأي إشارة سلبية.

هل هو انهيار أم تصحيح؟

كثير من المحللين يرون أن ما جرى تصحيح حاد بعد موجة صعود غير مستدامة، وليس انهياراً هيكلياً. فالتصحيحات العنيفة شائعة في الأسواق التي ترتفع بسرعة كبيرة.

غير أن استمرار التقلب سيعتمد على بيانات التضخم ومسار الفائدة والتطورات السياسية المقبلة.

إدارة المخاطر تعود للواجهة

الأحداث الأخيرة أعادت التأكيد على أهمية إدارة المخاطر وتنويع المحافظ. المراهنة على أصل واحد، مهما بدا قوياً، تحمل مخاطر كبيرة في أوقات التقلب.

المستثمرون المحترفون غالباً ما يحتفظون بهوامش أمان ويتجنبون الإفراط في الرافعة المالية، لأن السوق قد تنقلب أسرع مما يتوقع الجميع.

صورة أوسع للاقتصاد العالمي

الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة توازن دقيق بين تباطؤ النمو ومخاطر التضخم والتحولات الجيوسياسية. في مثل هذه البيئات، تصبح الأسواق أكثر حساسية لأي خبر.

التقلبات الحالية قد تكون جزءاً من مرحلة إعادة تسعير أوسع للأصول بعد سنوات من السيولة الوفيرة.

خلاصة المشهد

تبخر 12 تريليون دولار خلال 48 ساعة يوضح أن الأسواق الحديثة قادرة على التحرك بعنف في الاتجاهين. وبينما يرى البعض في التراجعات فرص شراء، يفضل آخرون الانتظار حتى تهدأ العاصفة.

في النهاية، ما حدث يذكّر بأن الأسواق لا تصعد إلى الأبد، وأن دورات الصعود والهبوط جزء طبيعي من النظام المالي، مهما بدا قاسياً على المدى القصير.

الأسئلة الشائعة

هل خسر المستثمرون 12 تريليون دولار نقداً؟
لا، هذا رقم يمثل تراجع القيم السوقية، وليس أموالاً خرجت فعلياً من النظام.

ما السبب الرئيسي للهبوط؟
مزيج من جني الأرباح، الرافعة المالية، وتحول توقعات السياسة النقدية.

هل يمكن أن تتعافى الأسواق سريعاً؟
نعم، الأسواق تعافت من تقلبات أكبر سابقاً، لكن الأمر يعتمد على المعطيات القادمة.

هل المعادن النفيسة لم تعد ملاذاً آمناً؟
تبقى ملاذاً نسبياً، لكنها ليست محصنة من التصحيحات الحادة.

ما الدرس الأهم للمستثمرين؟
تنويع الأصول وتجنب الإفراط في المخاطر والرافعة المالية.

بهذا، تبقى العبرة أن الأسواق العالمية سريعة التغير، وأن الثروة يمكن أن تنمو بسرعة، لكنها قد تتبخر بالسرعة نفسها إذا اختلت التوقعات.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى