كُتاب الترند العربيعمر غازي

أحلام البسطاء

عمر غازي

في أغسطس 2021 نشرت شبكة ABC News الأسترالية تقريرًا موثقًا عن وفاة عدد من عمّال توصيل الطرود في كوريا الجنوبية بعد فترات عمل مفرطة امتدت أحيانًا إلى أكثر من 14 ساعة يوميًا، التقرير وثّق حالة عامل توصيل في سيول توفي إثر انهيار جسدي مفاجئ بعد أسابيع من ضغط العمل المتواصل، ولم يكن الرجل ناشطًا ولا صاحب قضية، بل موظفًا بسيطًا يعمل بنظام القطعة ويحاول زيادة عدد الطلبات يوميًا ليضمن دخلًا يكفيه.

القصة نفسها تناولها موقع Business Insider في تقرير نُشر عام 2021 عن عمّال التوصيل الكوريين، وذكر أن بعضهم كان ينام في الشاحنات أو على الأرصفة بين الطلب والآخر، لا طمعًا في ثراء ولا سعيًا لمكانة، بل خوفًا من يوم بلا دخل، وهذا هو جوهر أحلام البسطاء، أن يستمر اليوم، وأن لا يتوقف العداد، وأن لا يعود الإنسان إلى بيته خالي اليدين ومكسور النفس.

أحلام البسطاء لا تُكتب في دفاتر التخطيط ولا تُعرض في مؤتمرات التحفيز، هي أحلام بلا لغة براقة، حلم أن يعمل الإنسان دون أن ينهار، وأن يخطئ دون أن يُسحق، وأن يتعب دون أن يُستهان به، البسيط لا يطلب قفزة نوعية، يطلب فقط أرضًا ثابتة يقف عليها، ويطلب من الحياة أن تكون عادلة بالحد الأدنى.

أظهرت دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية عام 2022 حول العمل غير المستقر أن أكثر من 60% من العاملين في وظائف الاقتصاد المرن يعرّفون النجاح بأنه الاستمرار دون إنهاك نفسي أو جسدي، لا الترقية ولا زيادة الدخل، وأوضح التقرير أن غياب الأمان الوظيفي يحوّل الحلم من التقدم إلى البقاء، ومن الطموح إلى الصمود، وهو ما يفسر لماذا يعمل البعض حتى الانهيار دون أن يشعروا أنهم يملكون خيارًا آخر.

وفي دراسة نشرتها جامعة أكسفورد عام 2019 حول الكرامة والعمل تبيّن أن الشعور بالاحترام في بيئة العمل يرتبط بالصحة النفسية للعاملين أكثر من مستوى الدخل نفسه، وأن فقدان هذا الشعور يضاعف معدلات الاكتئاب والقلق حتى لدى من يحققون دخلًا مقبولًا، أي أن الإهانة اليومية قد تكون أقسى من الفقر ذاته لأنها تسحب من الإنسان آخر ما يملكه، احترامه لنفسه.

المبكي في أحلام البسطاء أنها معقولة جدًا، لا تطلب امتيازات ولا تبحث عن مجد، تطلب فقط ألا يُكافأ الجهد بالاستنزاف، وألا يُقابل الصدق بالقسوة، وألا يتحول العمل الشريف إلى طريق بطيء نحو الانهيار، وحين تنكسر هذه الأحلام لا تنكسر معها مشاريع أو خطط، بل ينكسر إنسان كامل كان يحاول أن يعيش بسلام.

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية عن الإرهاق المهني إلى أن ساعات العمل الطويلة ترتبط بارتفاع مخاطر أمراض القلب والاضطرابات النفسية، لكن البسطاء يعرفون هذا دون دراسات، يعرفونه في أجسادهم المنهكة وظهورهم المنحنية ونومهم المتقطع، ومع ذلك يواصلون لأن البديل أكثر قسوة من الاستمرار.

أحلام البسطاء مبكية لأنها صادقة، ولأنها لا تجد من يدافع عنها، ولأن العالم غالبًا لا ينتبه إليها إلا حين تنتهي بمأساة تُروى ثم تُنسى، ويبقى السؤال مفتوحًا، كم حلمًا بسيطًا يجب أن يُستهلك بصمت قبل أن نعترف أن المشكلة ليست في ضآلة أحلامهم، بل في قسوة الشروط التي نطلب بها من البسطاء أن يعيشوا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى