
حين يصبح الاتفاق اختبارًا للأخلاق
عبدالعزيز بن خالد العمران
في كل جماعةٍ بشرية، لا تنشأ الأزمات الكبرى من اختلاف الآراء، بل من اختلال العلاقة بين الرأي والالتزام. فالاختلاف قبل القرار علامة حيوية، أما التراجع عنه بعد الاتفاق ففعلٌ إرباكيٌّ تتجاوز آثاره حدود صاحبه ليصيب الكيان كلّه، هنا لا يعود الخلاف تعبيرًا عن اجتهاد، بل يتحول إلى إخلالٍ أخلاقيٍّ يمسّ الثقة قبل أن يمسّ الموقف.
وحدة الرأي، في معناها الناضج، لا تعني إلغاء العقول ولا مصادرة التنوع، بل تعني احترام المسار الجماعي حين يُحسم، والتمييز الواضح بين مساحة النقاش ومرحلة الالتزام، فالرأي يُقال حين يُطلب، ويُناقش حين يُفتح بابه، لكن إذا أُغلق الباب واُختير الطريق، صار الالتزام جزءًا من المسؤولية لا خيارًا انتقائيًا.
المفارقة أن كثيرًا من الانقسامات لا تبدأ من اعتراض صريح، بل من انسحاب صامت، أو مخالفة فردية غير منسقة، تُمارس باسم “الحق في الرأي” بينما هي في حقيقتها إخلال بالعهد الضمني بين الفرد والجماعة، فالرأي مهما كان وجيهًا، يفقد قيمته حين يُمارس في غير وقته، وبغير أدواته، وعلى حساب وحدة الصف.
وقد سجّل التاريخ مبكرًا هذا المعنى، حين شهد أحد أشهر الأحداث الفاصلة مثالًا واضحًا على الفرق بين الاعتراض المشروع والمخالفة المدمِّرة، ففي معركة أُحد، دار النقاش قبل الخروج، واُتخذ القرار وفق رأي الأغلبية، والتزم به الجميع ظاهرًا، لكن في منتصف الطريق، انسحب عبد الله بن أُبيّ بن سلول بثلث الجيش دون تنسيق أو مراجعة جماعية، لا لأنه مُنع من إبداء رأيه، بل لأنه خالف بعد أن التزم، لم يكن الاعتراض هو الإشكال، بل توقيته وطريقته، إذ تحوّل الرأي الفردي إلى فعل عام أربك الصف وأضعف الجماعة في لحظة حرجة.
هذا المثال، كما تناوله المؤرخون، لا يُستدعى بوصفه درسًا وعظيًا، بل كنموذج مبكر لسلوك إنساني يتكرر عبر العصور: حين يُقدَّم الرأي الفردي بعد الاتفاق على حساب الكيان، لا يُمارس اختلافًا، بل يُنتج تصدّعًا، ولهذا فرّق العقلاء، قديمًا وحديثًا، بين حرية الرأي قبل القرار، وخطورة نقضه بعد الالتزام.
إن أخطر ما يصيب الجماعات ليس تعدد الأصوات، بل غياب الانضباط الأخلاقي في إدارة الخلاف، فحين يتحول الاتفاق إلى حالة مؤقتة، وحين يُنظر إلى الالتزام بوصفه عبئًا لا مسؤولية، تصبح وحدة الرأي شعارًا هشًّا لا قيمة له عند أول اختبار.
ولهذا، لا تقوم المجتمعات المتماسكة على تطابق الأفكار، بل على وضوح القواعد: نختلف قبل أن نقرر، ونلتزم بعد أن نختار، ونراجع عبر القنوات لا عبر المفاجآت، فالرأي حق، أما نقض الاتفاق فمسؤولية، والخلط بينهما ليس شجاعة فكرية، بل عبث يُدفع ثمنه جماعيًا.
المصدر: سبق



