كُتاب الترند العربي

من فوضى النوايا الحسنة إلى هندسة العطاء المنظَّم

عبدالمحسن محمد الحارثي

في مواسم الخير ؛ تتكاثر المبادرات كما يتكاثر الضوء في الفجر .. نوايا صادقة، وأيادٍ بيضاء، وقلوب تسابق الزمن لتقديم الإحسان.. يقول الله تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31].

غير أنّ النوايا الحسنة -مهما سمت – قد تُنتج آثاراً عكسية إن لم تُصغ في قالبٍ من التنظيم، وتُدار بعقلٍ مؤسسيّ يوازن بين الفضيلة والفعالية.. وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ:

«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».

وهنا .. تبرز إحدى الظواهر التي تستحق معالجة عاجلة: توزيع الوجبات بصورة عشوائية في الشوارع والطرقات والساحات المفتوحة، خلال مواسم الحج والعمرة والزيارة ، وفي موائد رمضان، بل وحتى في الأيام العادية.. ولطالما قال الحكماء: “ليس كل إحسانٍ محموداً إذا أساءت عاقبته”.

هذه الظاهرة – رغم طيبتها الظاهرة – تفتح أبواباً لسلبيات متعددة: فوضى مرورية، التشجيع على الافتراش ، هدر غذائي، مخاطر صحية، تشويه بصري، وإرباك للجهود النظامية التي تسعى إلى تقديم خدمة حضارية تليق ببلادٍ جعلت خدمة الحرمين وضيوف الرحمن شرفاً وواجباً.. فـ«الفضيلة بلا حكمة قد تنقلب ضد صاحبها» .

ومن هنا ؛ فإن التوقف الفوري عن العشوائية ليس رفضاً للعطاء، بل ترقية له؛ وليس مصادرة للخير، بل حماية لكرامته.

من العفوية إلى المنظومة

المطلوب اليوم ليس تقليل العطاء، بل هندسته..أي نقل العمل من مبادرات فردية متناثرة إلى منظومة وطنية واضحة المعالم، تبدأ بمنصة حكومية مخصصة لتنظيم هذا المجال..منصة تُحوّل إليها التبرعات بشفافية كاملة، وتعرض خيارات متعددة للوجبات، وتحدد مواقع التوزيع المعتمدة في كل منطقة ومحافظة، وفق خرائط خدمية مدروسة.. وقد قيل في أمثال الخاصة: “الخير إذا اجتمع كثر، وإذا تفرّق انكسر”.

وبهذا التحول ؛ يصبح المتبرع شريكاً في مشروع وطني، لا مجرد مبادر فردي..يرى أثر عطائه، ويختار مساره، ويطمئن إلى أن صدقته بلغت مستحقها بأعلى درجات الجودة والكرامة والانضباط.

قاعدة الواقعية الذكية

في أي معالجة عامة ؛ لا بد من التمييز بين الممكن والمطلوب..التجارب العالمية تؤكد أن تحقيق نسبة 70% من التنظيم في المواقع العامة يعد إنجازاً عملياً كافياً لخفض الفوضى إلى أدنى مستوياتها..لكن في المواقع الحساسة – كالمشاعر المقدسة، والمناطق المركزية، ومحيط المساجد الكبرى – فإن بلوغ 100% من التنظيم ليس ترفاً، بل ضرورة حضارية وأمنية وصحية..وهنا يحضر قول رائد الإدارة الحديثة بيتر دراكر: “ما لا يُدار لا يُقاس، وما لا يُقاس لا يتحسن”. فالإحسان حين يدخل دائرة القياس ؛ يخرج من الارتجال إلى الاستدامة.

هذه المعادلة الواقعية تجمع بين الطموح والانضباط: واقعية في العموم، وحزم في الخصوص.

تكامل لا تنافس

نجاح هذه الرؤية مرهون بتكامل الأدوار لا تزاحمها..الجمعيات الخيرية، الجمعيات التعاونية، المؤسسات الأهلية، الأجهزة الحكومية، والقطاع الخاص ؛ جميعها أطراف في معادلة واحدة..لكل جهة خبرتها، ولكل قطاع قدرته التنفيذية.

وعندما تتوحد الجهود ضمن إطار تنظيمي واحد ؛ يتحول العطاء من طاقة مشتتة إلى قوة مضاعفة.

إنّ العمل الخيري في جوهره عمل تشاركي، وأي محاولة لعزله في قوالب فردية ؛ تحرمه من أعظم مزاياه: الاستدامة والاتساع والتأثير.

احترافية الإعداد ومعالجة الفائض

ومن أهم محاور الإصلاح: توسيع دائرة بيوتات تجهيز الطعام الاحترافية، المعتمدة صحياً ومهنياً، بحيث تُدار عمليات الإعداد وفق معايير الجودة والسلامة الغذائية.

فالغذاء ليس مجرد وجبة تُقدَّم، بل مسؤولية صحية وأخلاقية.. وقد قال الأطباء قديماً: “الغذاء أول الدواء”، وهو قول يذكّر بأن الإحسان إن لم يُصن بالمعرفة قد يتحول إلى عبء على من أُريد له أن يكون نعمة.

أما الفائض – وهو أحد أكبر التحديات – فيجب التعامل معه بمنهج بيئي وصحي متكامل: إعادة التدوير، إعادة التوزيع المنظم، أو التحويل إلى منتجات نافعة عبر قنوات متخصصة.

فالهدر في زمن الوفرة ؛ ليس مجرد خسارة مادية، بل خلل قيمي وبيئي.

كرامة العطاء وصورة الوطن

حين ينتقل العطاء من العشوائية إلى التنظيم ؛ فإن المستفيد يكسب كرامته، والمتبرع يكسب طمأنينته، والوطن يكسب صورته الحضارية.

فالعالم اليوم ؛ لا يقيس الأمم بحجم إنفاقها فقط، بل بكيفية إدارتها لقيمها.

إن تنظيم موائد الخير ؛ ليس تقنيناً للرحمة، بل تحرير لها من الفوضى. وهو انتقال من عاطفة نبيلة إلى حضارة ناضجة، ومن مبادرات متناثرة إلى أثرٍ ممتد.

المرحلة القادمة ؛ تتطلب شجاعة القرار بقدر ما تتطلب حكمة التنفيذ..فإيقاف التوزيع العشوائي ليس نهاية الخير، بل بدايته الحقيقية.

وعندما يُعاد بناء العطاء على أسس مؤسسية شفافة ؛ فإننا لا نحمي المجتمع من السلبيات فحسب، بل نؤسس لنموذج عالمي في إدارة الإحسان.

إنها دعوة إلى أن نرتقي بالخير ليليق بمقامه، وأن نصوغ النية الطيبة في إطارٍ ذكيّ يجعل العطاء أكثر أثراً، وأبقى نفعاً، وأجمل صورة..فالعطاء المنظم ليس خياراً إدارياً فحسب، بل هو مقياس نضج حضاري، ورسالة وطن يعرف كيف يحفظ فضيلته حين يحسن ترتيبها.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى