سياسة

موسكو تُدشّن رصيف المستقبل.. محطة عائمة تشحن القوارب الكهربائية تلقائياً وتعيد رسم خريطة النقل النهري

الترند بالعربي – متابعات

في خطوة تعكس تسارع التحول العالمي نحو أنظمة النقل الذكية والمستدامة، أعلنت بلدية موسكو عن تدشين رصيف عائم جديد يحمل اسم «لوجنيكي»، ليصبح أحد أكثر مشاريع النقل النهري تطوراً في العالم، بعد تزويده بتقنية شحن تلقائي للقوارب الكهربائية أثناء توقفها، دون تدخل بشري مباشر. المشروع لا يُعد مجرد إضافة بنيوية على ضفاف نهر موسكفا، بل يمثل تحولاً في فلسفة النقل الحضري داخل المدن الكبرى، حيث تتداخل التكنولوجيا النظيفة مع التخطيط الحضري طويل الأمد.

المشروع الجديد يأتي ضمن خطة أوسع لإعادة إحياء النقل النهري في العاصمة الروسية بوصفه بديلاً عملياً وصديقاً للبيئة عن وسائل النقل التقليدية، خصوصاً في المدن التي تعاني ازدحاماً مرورياً مرتفعاً وانبعاثات كربونية متزايدة. موسكو، التي تضم شبكة مائية واسعة، ترى في الأنهار مورداً غير مستغل بالكامل يمكن تحويله إلى شريان نقل حضري فعال.

رصيف عائم بتقنيات غير مسبوقة

رصيف «لوجنيكي» العائم يُوصف بأنه الأول عالمياً القادر على شحن القوارب الكهربائية تلقائياً أثناء رسوّها. هذه التقنية تعتمد على نظام اتصال كهربائي ذكي يتفاعل فور اقتراب القارب من الرصيف، حيث يتم توصيل الطاقة دون الحاجة إلى كابلات تقليدية أو تدخل طاقم فني.

الفكرة تقوم على تقليل زمن التوقف وتحسين كفاءة التشغيل، إذ يمكن للقوارب استعادة قدر من شحنتها الكهربائية خلال فترات انتظار قصيرة بين الرحلات. هذا يعني أن أسطول القوارب يستطيع العمل لساعات أطول دون الحاجة للتوقف الطويل لإعادة الشحن، ما يرفع من الجدوى التشغيلية للنقل النهري.

جزء من مسار نهري جديد

الرصيف يُشكّل حجر الأساس للمسار الرابع لأسطول القوارب الكهربائية في موسكو، وهو مسار سيربط بين منطقتي لوجنيكي وكييفسكي. اختيار هاتين المنطقتين لم يكن عشوائياً، فهما تضمان كثافة سكانية ومرافق حيوية ومواقع رياضية وثقافية، ما يجعل الربط النهري بينهما خياراً عملياً للركاب.

التوسع في المسارات النهرية يعكس رغبة موسكو في توزيع ضغط النقل على أكثر من وسيلة، بدلاً من الاعتماد المفرط على الطرق البرية ومترو الأنفاق فقط. النقل النهري هنا لا يُطرح كخدمة سياحية فحسب، بل كجزء من منظومة النقل العام اليومية.

سعة مدروسة وتجربة ركاب محسّنة

الرصيف الجديد يستوعب نحو 80 راكباً في وقت واحد، وهو رقم يعكس دراسة لأنماط الاستخدام المتوقعة. الهدف ليس استيعاب أعداد ضخمة دفعة واحدة، بل توفير خدمة منتظمة بتردد عالٍ تجعل التنقل النهري خياراً عملياً.

ولتعزيز تجربة المستخدم، جرى تجهيز الرصيف بشاشات إلكترونية تعرض مواعيد الرحلات لحظياً، إضافة إلى أجهزة بيع ذاتي للتذاكر، ومقاعد انتظار مريحة، ودورات مياه. هذه التفاصيل تشير إلى أن المشروع لا يركز فقط على الجانب التقني، بل أيضاً على راحة الركاب.

تشغيل يعتمد على الطاقة النظيفة

تشغيل الرصيف يتم بالكامل عبر مصادر طاقة نظيفة، ما يجعله متوافقاً مع توجهات موسكو البيئية. القوارب الكهربائية بدورها تُعد بديلاً منخفض الانبعاثات مقارنة بالقوارب التقليدية التي تعمل بالديزل.

هذا التوجه ينسجم مع سياسات بيئية أوسع تتبناها مدن كبرى حول العالم لتقليل البصمة الكربونية لقطاع النقل، الذي يُعد من أكبر مصادر الانبعاثات.

تصريحات رسمية تؤكد الرؤية طويلة المدى

مكسيم ليكسوتوف، نائب عمدة موسكو لشؤون النقل والصناعة، أوضح أن تركيب الرصيف اكتمل وأن الأعمال التحضيرية النهائية جارية تمهيداً لاختبارات التشغيل. وأشار إلى أن المسار الرابع سيتكوّن من أربعة أرصفة عائمة حديثة.

هذه التصريحات تكشف أن «لوجنيكي» ليس مشروعاً منفرداً، بل جزء من شبكة قيد التوسع، ما يعزز احتمالات نجاح التجربة على نطاق أوسع.

إعادة إحياء النقل النهري

موسكو ليست أول مدينة تستخدم النقل النهري، لكنها من المدن التي تسعى لإعادة تقديمه بروح عصرية. تاريخياً، لعبت الأنهار دوراً مهماً في النقل داخل المدن، لكن مع تطور الطرق والسكك الحديدية تراجع الاعتماد عليها.

اليوم، ومع ازدحام المدن وارتفاع الوعي البيئي، تعود الأنهار إلى الواجهة كحل جزئي لأزمات النقل. الرصيف الجديد يُعد مثالاً على كيف يمكن للتكنولوجيا أن تجعل النقل النهري أكثر جاذبية وكفاءة.

أثر متوقع على الازدحام المروري

إذا نجح المشروع في جذب عدد كافٍ من الركاب، فقد يساهم في تخفيف الضغط عن الطرق الرئيسية. كل راكب يختار القارب بدلاً من السيارة الخاصة يعني سيارة أقل في الشارع.

هذا الأثر التراكمي يمكن أن يكون مهماً في مدينة بحجم موسكو، حيث يمثل الازدحام تحدياً دائماً.

البعد السياحي أيضاً حاضر

رغم أن المشروع موجّه أساساً للنقل الحضري، إلا أن له بعداً سياحياً واضحاً. التنقل عبر النهر يمنح الركاب إطلالات مختلفة على المدينة ومعالمها.

كثير من المدن العالمية تستثمر في النقل النهري كخدمة مزدوجة: عملية للسكان وجاذبة للسياح.

تكلفة مقابل فائدة

مشاريع البنية التحتية الذكية غالباً ما تكون مكلفة في البداية، لكن العائد طويل المدى قد يبرر الاستثمار. تقليل الانبعاثات، تحسين جودة الحياة، وتخفيف الازدحام، كلها فوائد يصعب قياسها مالياً فقط.

إذا أثبتت التقنية فعاليتها، قد تُصدَّر التجربة إلى مدن أخرى.

موسكو في سباق المدن الذكية

المدينة الروسية تسعى منذ سنوات لتعزيز صورتها كمدينة ذكية تعتمد التكنولوجيا في إدارة الخدمات. من أنظمة الدفع الرقمية إلى النقل الذكي، يأتي الرصيف العائم كحلقة جديدة في هذه السلسلة.

المدن الكبرى تتنافس اليوم ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً في جودة البنية التحتية والخدمات.

هل يصبح نموذجاً عالمياً؟

السؤال المطروح الآن: هل ستتبنى مدن أخرى الفكرة؟ كثير من المدن تمتلك أنهاراً أو قنوات مائية يمكن استغلالها.

نجاح تجربة موسكو قد يشجع مدناً أوروبية وآسيوية على الاستثمار في حلول مشابهة.

تحديات محتملة

أي مشروع جديد يواجه تحديات، مثل الظروف المناخية، تكاليف الصيانة، ومدى تقبل السكان. الشتاء الروسي القاسي قد يكون اختباراً لقدرة الرصيف على العمل في ظروف صعبة.

لكن التصميمات الحديثة غالباً ما تأخذ هذه العوامل في الحسبان.

تحول في مفهوم الميناء الحضري

الموانئ النهرية لم تعد مجرد نقاط رسوّ، بل تتحول إلى منصات ذكية متصلة بالأنظمة الرقمية. الرصيف العائم مثال على هذا التحول.

التكامل بين الطاقة النظيفة والأنظمة الذكية يشير إلى مستقبل مختلف للنقل المائي.

نظرة بيئية أوسع

العالم يتجه لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. النقل الكهربائي، سواء برياً أو مائياً، جزء من هذا التحول.

المبادرات المحلية مثل مشروع موسكو تساهم في الجهد العالمي لمواجهة التغير المناخي.

انعكاسات اقتصادية

تحسين النقل قد يرفع من قيمة المناطق القريبة من المسارات النهرية. سهولة الوصول تجذب استثمارات وأنشطة تجارية.

هذا يعني أن المشروع قد يحمل أبعاداً اقتصادية تتجاوز النقل نفسه.

الأسئلة الشائعة

ما الذي يميز رصيف لوجنيكي؟
هو أول رصيف عائم يشحن القوارب الكهربائية تلقائياً أثناء توقفها.

هل يخدم السياح فقط؟
لا، هو جزء من شبكة نقل حضري موجهة للركاب اليوميين.

هل يعتمد على طاقة نظيفة؟
نعم، تشغيله يعتمد على مصادر طاقة نظيفة.

هل يمكن تكرار التجربة في مدن أخرى؟
نظرياً نعم، خصوصاً في المدن ذات الممرات المائية.

في المحصلة، ما يحدث في موسكو يعكس توجهاً عالمياً لإعادة التفكير في وسائل النقل داخل المدن. الأنهار التي كانت يوماً شرايين حياة تعود اليوم لتلعب دوراً جديداً مدعوماً بالتكنولوجيا النظيفة. وإذا نجحت التجربة، فقد نكون أمام بداية مرحلة جديدة في تاريخ النقل الحضري، حيث يصبح الماء طريقاً يومياً للمدينة الحديثة، لا مجرد خلفية جمالية لها.

اقرأ أيضًا: السعودية تدخل تاريخ الطب.. أول زراعة كبد روبوتية كاملة في العالم من متبرعين أحياء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى