نفيسة شامية في مكة.. ربعة قرآنية من القرن التاسع الهجري تكشف أسرار فن المصحف
الترند بالعربي – متابعات
يعرض متحف القرآن الكريم في حي حراء الثقافي بمكة المكرمة واحدة من أندر النفائس القرآنية التي وصلت إلينا من عصور ازدهار فنون المخطوط الإسلامي، وهي ربعة قرآنية تعود إلى القرن التاسع الهجري، تضم الجزء الخامس والعشرين من المصحف الشريف، وتشكل شاهدًا حيًا على مستوى العناية الفائقة التي أولتها الحضارة الإسلامية لكتاب الله كتابةً وحفظًا وتزيينًا.
القطعة المعروضة لا تمثل مجرد أثر تاريخي، بل وثيقة حضارية مكتملة الأركان، تختزل في تفاصيلها تقاليد علمية وفنية وروحية امتدت قرونًا، وتكشف عن مدارس خطية وزخرفية بلغت ذروة النضج في بلاد الشام خلال القرن الخامس عشر الميلادي.
خط نسخي شامي يعكس ذروة الإتقان
كُتبت الربعة في بلاد الشام بخط النسخ المتقن، وهو الخط الذي شكّل العمود الفقري لنسخ المصاحف في العصور الإسلامية المتأخرة، لما يمتاز به من وضوح وانسيابية وتوازن بصري يخدم القراءة والحفظ معًا.
ويكشف التدقيق في بنية الحروف وتناسق السطور عن يد ناسخ متمرس، ينتمي إلى مدرسة خطية عريقة، حيث تبدو النسب الهندسية للحروف منضبطة بدقة، مع التزام صارم بقواعد النسخ الكلاسيكية، وهو ما يعكس مكانة القرآن كنص لا يُقبل فيه الخطأ أو التهاون الفني.

زخارف مذهّبة ودلالات روحية عميقة
ازدانت الربعة بزخارف دقيقة وتذهيب فاخر، من أبرزها كتابة لفظ الجلالة «اللهم» بالذهب، في تعبير بصري واضح عن التقديس والاحترام الذي أحاط به المسلمون النص القرآني.
هذا التذهيب لم يكن عنصرًا جماليًا مجردًا، بل حمل دلالات روحية عميقة، إذ ارتبط الذهب في المخطوطات القرآنية بمفاهيم النور والسمو والخلود، ليصبح الخط والزخرفة وسيلة تعبير عن العقيدة بقدر ما هو فن بصري.
ما هي الربعة القرآنية؟
تُعد هذه القطعة نموذجًا لما يُعرف بـ«الربعات»، وهي مصاحف أو أجزاء من المصحف تُحفظ داخل صناديق أو حافظات خاصة، صُممت بعناية لحماية النص القرآني وتنظيم تداوله.
ويعكس هذا الأسلوب تطور أدوات الحفظ لدى المسلمين، وحرصهم على صون كتاب الله من التلف، سواء أثناء التنقل أو في حلقات التعليم أو في المكتبات الوقفية، حيث كانت الربعات تُستخدم لتقسيم المصحف إلى أجزاء يسهل تداولها وقراءتها.
شاهد على مدارس المخطوط الشامي
تكشف الربعة عن مستوى فني رفيع للفنون المرتبطة بالمصحف الشريف في بلاد الشام، وهي منطقة اشتهرت خلال القرون الهجرية المتأخرة بازدهار مدارس الخط والتذهيب.
ويمكّن هذا المعروض الباحثين من تتبع خصائص المدرسة الشامية في كتابة المصحف، سواء من حيث نوع الورق المستخدم، أو أسلوب توزيع النص داخل الصفحة، أو طبيعة الزخارف الهندسية والنباتية المصاحبة.

شراكة ثقافية تحفظ الذاكرة الإسلامية
تنتمي هذه الربعة النادرة إلى مقتنيات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ويأتي عرضها في متحف القرآن الكريم ضمن شراكة ثقافية تهدف إلى إتاحة الكنوز المخطوطة أمام الجمهور، وربط الباحثين والزوار بتاريخ المصحف بوصفه نصًا حيًا رافق تطور الحضارة الإسلامية.
وتسهم هذه الشراكات في تحويل المخطوط من مادة محفوظة في الأرشيف إلى عنصر معرفي فاعل في الوعي العام، يعيد الاعتبار لقيمة المخطوطات الإسلامية بوصفها مصادر علمية وفنية في آن واحد.
تجربة ثقافية ومعرفية للزوار
يمنح عرض هذه الربعة الزوار تجربة ثقافية ثرية، تتجاوز المشاهدة البصرية إلى فهم السياق التاريخي والفني الذي أُنتجت فيه، بما يعزز إدراك العلاقة بين النص القرآني والفنون الإسلامية.
كما تتيح القطعة للمهتمين فرصة تأمل تطور أدوات الكتابة، وأساليب التذهيب، ودور الوقف والرعاية العلمية في حفظ المصاحف عبر القرون، في صورة متكاملة تجمع بين الجمالية والمعرفة.
متحف القرآن الكريم.. منصة متخصصة في مكة
يُعد متحف القرآن الكريم أول متحف متخصص في مكة المكرمة يُعنى بالتعريف بكتاب الله عبر مقتنيات أصلية وتقنيات عرض حديثة، ويقع ضمن حي حراء الثقافي، بجوار جبل حراء، حيث نزلت أولى آيات الوحي.
ويقدم المتحف تجربة معرفية متكاملة، تُبرز عظمة القرآن من خلال تتبع مسيرة العناية به كتابةً وتدوينًا وضبطًا وزخرفة، منذ العصور الأولى للإسلام وحتى الفترات المتأخرة.
ربط المكان بالمقدس والتاريخي
يكتسب عرض الربعة في هذا الموقع بعدًا رمزيًا إضافيًا، إذ يجتمع النص القرآني المخطوط مع المكان الذي شهد بداية نزول الوحي، في تلازم مكاني وزماني يعمّق الأثر الروحي والمعرفي لدى الزائر.
وتعمل منظومة حي حراء الثقافي على إحياء المكان وربطه بسياقه الحضاري، من خلال مرافق ثقافية ومعرفية تستهدف الزوار والحجاج والمعتمرين، وتقدّم تجربة شاملة تعكس خصوصية مكة المكرمة وعمق إرثها الديني.
أهمية المخطوطات في حفظ الهوية الإسلامية
تمثل هذه الربعة نموذجًا لأهمية المخطوطات في حفظ الذاكرة الإسلامية، ليس فقط كنصوص دينية، بل كمنتجات حضارية تحمل بصمات العصور التي نشأت فيها.
ومن خلال عرضها، يسلط المتحف الضوء على دور الخطاطين والمذهبين والواقفين والعلماء في تشكيل منظومة متكاملة لحفظ القرآن، ما يجعل المخطوط شاهدًا على تفاعل الدين مع الفن والعلم والمجتمع.
رسالة حضارية تتجاوز الزمن
لا تقتصر قيمة الربعة على ندرتها الزمنية، بل تمتد إلى كونها رسالة حضارية تؤكد أن العناية بالقرآن لم تكن يومًا مجرد التزام تعبدي، بل مشروعًا ثقافيًا وفنيًا متكاملاً، شاركت فيه مدارس متعددة وأقاليم مختلفة.
وهذا ما يجعل عرضها اليوم في مكة المكرمة حدثًا ثقافيًا ذا دلالة خاصة، يربط الماضي بالحاضر، ويعيد تقديم التراث الإسلامي بلغة معاصرة تحترم أصالته.
ما هي الربعة القرآنية؟
هي جزء أو أجزاء من المصحف الشريف تُحفظ داخل صندوق أو حافظة خاصة، استُخدمت تاريخيًا لتنظيم الحفظ والتلاوة وحماية النص القرآني.
إلى أي عصر تعود الربعة المعروضة؟
تعود إلى القرن التاسع الهجري، الموافق للقرن الخامس عشر الميلادي.
أين كُتبت هذه الربعة؟
كُتبت في بلاد الشام، وفق خصائص الخط والزخرفة المعتمدة في تلك الفترة.
ما أهمية عرضها في متحف القرآن الكريم؟
لأنها تتيح للجمهور والباحثين الاطلاع على نموذج أصيل من فنون المصحف، وتربط بين النص القرآني وتاريخه الفني والحضاري.
هل الربعة جزء من مقتنيات المتحف الدائمة؟
هي من مقتنيات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وتُعرض ضمن شراكة ثقافية مع متحف القرآن الكريم.
اقرأ أيضًا: 13 مليار دولار في عام واحد.. لماذا انفجر إنفاق انتقالات اللاعبين في 2025؟



