عواصف تضرب جنوب إيطاليا وتكشف هشاشة المدن التاريخية في صقلية
الترند العربي – متابعات
لم تكن العواصف العنيفة التي اجتاحت جنوب إيطاليا خلال الأيام الماضية مجرد حالة طقس قاسية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المدن التاريخية على الصمود أمام التغيرات المناخية المتسارعة. ففي بلدة نيشيمي الواقعة جنوب جزيرة صقلية، أدت الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة إلى وقوع انهيارين أرضيين متتاليين، خلّفا دمارًا واسعًا في أجزاء من المنطقة القديمة، وهددا سلامة آلاف السكان، وأعادا فتح ملف البنية التحتية الهشة في واحدة من أقدم مناطق البحر المتوسط عمرانًا.
ما حدث في نيشيمي لم يكن مفاجئًا بالكامل للسلطات المحلية، لكنه جاء أعنف وأسرع من التوقعات، ما اضطر الجهات الرسمية إلى اتخاذ إجراءات طارئة شملت الإجلاء، وإغلاق الطرق، وتعليق عدد من الخدمات الأساسية، في مشهد يعكس تصاعد المخاطر الطبيعية المرتبطة بتغير المناخ في جنوب أوروبا.

بلدة على حافة الجرف
تقع بلدة نيشيمي في جنوب جزيرة صقلية، ضمن نطاق جيولوجي حساس يتميز بتكوينات صخرية وهضاب قديمة تعرضت عبر قرون طويلة لعوامل التعرية. ويبلغ عدد سكان البلدة نحو 25 ألف نسمة، يعيش كثير منهم في أحياء تاريخية شُيّدت فوق منحدرات طبيعية، ما يجعلها عرضة للانهيارات الأرضية عند هطول الأمطار الغزيرة.
ووفق بيانات رسمية، بدأت الهضبة التي تقوم عليها أجزاء من البلدة في التصدع التدريجي منذ أسابيع، قبل أن تتسارع وتيرة الانهيار بين 16 و25 يناير، مع استمرار العواصف التي ضربت المنطقة. وأسفر ذلك عن انهيارين أرضيين كبيرين تسببا في تدمير أجزاء من النسيج العمراني القديم، وترك عدد من المنازل معلّقة بشكل خطير على حافة جرف صخري.

إجلاء واسع وإجراءات احترازية
أمام خطورة الوضع، أُجبر أكثر من 1500 شخص على مغادرة منازلهم بشكل احترازي، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء التي تشهدها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وتم نقل السكان إلى مراكز إيواء مؤقتة، فيما فُرضت طوق أمني حول المناطق المتضررة لمنع الدخول إليها، خشية وقوع انهيارات إضافية.
وأوضحت وكالة الحماية المدنية الإيطالية أن الأولوية في الساعات الأولى كانت ضمان سلامة السكان، وتقييم استقرار التربة والمنحدرات المحيطة، قبل السماح لأي عودة محتملة. وأشارت إلى أن فرق الطوارئ واجهت صعوبات كبيرة بسبب تشبع التربة بالمياه واستمرار الأمطار، ما جعل أي تدخل هندسي مباشر محفوفًا بالمخاطر.

أضرار بالبنية التحتية والخدمات
لم تقتصر تداعيات الانهيارين على المنازل فقط، بل امتدت لتشمل شبكة الطرق المحلية، حيث تضررت عدة مسارات حيوية تربط نيشيمي بالبلدات المجاورة، ما أدى إلى تعطيل حركة النقل جزئيًا. كما لحقت أضرار بخطوط الكهرباء والمياه في بعض الأحياء، الأمر الذي تسبب في انقطاعات مؤقتة للخدمات الأساسية.
وأفادت السلطات بأن فرق الصيانة تعمل على إعادة الخدمات بشكل تدريجي، إلا أن الأولوية تبقى لتأمين المناطق المهددة، خصوصًا في ظل توقعات باستمرار الاضطرابات الجوية خلال الفترة المقبلة.
العواصف والتغير المناخي
يرى خبراء الطقس والجيولوجيا أن ما شهدته صقلية يأتي ضمن نمط أوسع من الظواهر الجوية المتطرفة التي تضرب جنوب أوروبا بوتيرة متزايدة. فالأمطار التي هطلت خلال فترة قصيرة كانت أعلى بكثير من المعدلات الموسمية المعتادة، ما أدى إلى تشبع التربة بالمياه وفقدانها قدرتها على التماسك.
ويشير مختصون إلى أن التغير المناخي يلعب دورًا محوريًا في تضخيم هذه الظواهر، إذ أصبحت العواصف أكثر شدة وأقصر زمنًا، ما يزيد من احتمالات الفيضانات والانهيارات الأرضية، خاصة في المناطق الجبلية أو ذات البنية العمرانية القديمة.

مدن تاريخية في مواجهة الطبيعة
تعكس أزمة نيشيمي تحديًا متكررًا تواجهه المدن التاريخية في إيطاليا، حيث تتداخل القيمة التراثية مع هشاشة البنية التحتية. فالكثير من هذه المدن شُيّد قبل مئات السنين دون اعتبارات هندسية حديثة لمقاومة الكوارث الطبيعية، ما يجعل أي حدث مناخي عنيف تهديدًا مباشرًا للأرواح وللإرث الثقافي.
وقد أعادت الانهيارات الأخيرة إلى الأذهان حوادث مشابهة شهدتها مناطق أخرى من إيطاليا خلال السنوات الماضية، حيث تسببت الأمطار الغزيرة في انهيارات أرضية وانجرافات طينية ألحقت أضرارًا جسيمة بمدن وقرى تاريخية.
تحقيقات وتقييمات هندسية
باشرت السلطات الإيطالية، بالتعاون مع خبراء جيولوجيا وهندسة مدنية، عمليات تقييم شاملة لتحديد مدى استقرار الهضبة التي تقوم عليها نيشيمي. وتشمل هذه العمليات استخدام تقنيات رصد حديثة لمراقبة حركة التربة، وتحليل المخاطر المحتملة في حال استمرار الأمطار.
وأكدت مصادر رسمية أن نتائج هذه التقييمات ستحدد مستقبل عدد من الأحياء، بما في ذلك احتمال فرض مناطق حظر دائم للبناء أو السكن، إذا ثبت أن المخاطر لا يمكن معالجتها بوسائل هندسية معقولة.
تكلفة إنسانية واقتصادية
إلى جانب الخسائر المادية، خلّفت الكارثة أثرًا نفسيًا واجتماعيًا واضحًا على السكان، خصوصًا أولئك الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم دون معرفة متى أو إن كانوا سيتمكنون من العودة. كما أن توقف الأنشطة التجارية في المناطق المتضررة ينذر بخسائر اقتصادية قد تمتد لعدة أشهر.
وتعمل السلطات المحلية على حصر الأضرار تمهيدًا لتقديم تعويضات ودعم حكومي، إلا أن مسؤولين حذروا من أن عملية إعادة الإعمار قد تكون طويلة ومعقدة، نظرًا لطبيعة الموقع الجغرافي والحاجة إلى حلول مستدامة تمنع تكرار الكارثة.
صقلية تحت الضغط المناخي
لم تكن نيشيمي البلدة الوحيدة التي تأثرت بالعواصف، إذ شهدت مناطق أخرى من جزيرة صقلية اضطرابات جوية تسببت في فيضانات محدودة وانقطاعات مرورية. غير أن الانهيارين الأرضيين جعلا البلدة في صدارة المشهد، بوصفها مثالًا صارخًا على هشاشة بعض المناطق أمام العوامل الطبيعية.
ويرى مراقبون أن ما حدث يجب أن يدفع إلى مراجعة شاملة لسياسات إدارة المخاطر في جنوب إيطاليا، مع التركيز على الوقاية بدل الاكتفاء بالاستجابة الطارئة بعد وقوع الكوارث.
دعوات لإستراتيجية طويلة الأمد
في أعقاب الحادثة، تعالت الدعوات من خبراء وناشطين إلى وضع إستراتيجية وطنية لحماية المدن والقرى المعرضة للانهيارات الأرضية، تشمل تعزيز البنية التحتية، وتحديث أنظمة تصريف المياه، ومراقبة التغيرات الجيولوجية بشكل مستمر.
كما شددوا على أهمية دمج التكيف مع التغير المناخي في خطط التنمية العمرانية، خصوصًا في المناطق التاريخية التي تتطلب حلولًا دقيقة تحافظ على التراث دون تعريض السكان للخطر.
بين الماضي والمستقبل
تقف نيشيمي اليوم عند مفترق طرق صعب، بين الحفاظ على تاريخها العريق، وضمان سلامة سكانها في عالم تتزايد فيه المخاطر المناخية. فالانهياران الأرضيان لم يكونا مجرد حادثة طبيعية، بل رسالة إنذار واضحة بأن نماذج التخطيط القديمة لم تعد كافية في مواجهة واقع مناخي جديد.
وتؤكد هذه الكارثة أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة بناء ما تهدّم، بل في إعادة التفكير بكيفية العيش والبناء في مناطق باتت أكثر عرضة لغضب الطبيعة. ففي صقلية، كما في كثير من مناطق العالم، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الكوارث ستقع، بل متى وكيف يمكن تقليل خسائرها.
ما سبب الانهيارين الأرضيين في بلدة نيشيمي بجنوب صقلية؟
تسببت أمطار غزيرة وعواصف متواصلة في تشبع التربة بالمياه وفقدانها تماسكها، ما أدى إلى انهيار أجزاء من الهضبة التي تقوم عليها البلدة.
هل أسفرت الانهيارات الأرضية عن خسائر بشرية؟
حتى الآن، لم تُسجَّل وفيات، إلا أن أكثر من 1500 شخص أُجبروا على إخلاء منازلهم احترازيًا بسبب خطورة الوضع.
ما حجم الأضرار التي لحقت بالبلدة؟
الأضرار شملت تدمير أجزاء من المنطقة التاريخية، تضرر منازل وبنى تحتية، وانقطاع جزئي لبعض الخدمات والطرق المحلية.
هل ما حدث مرتبط بالتغير المناخي؟
يرى خبراء أن شدة الأمطار في فترة قصيرة تعكس نمطًا من الظواهر المتطرفة المرتبطة بالتغير المناخي، والتي تزيد من مخاطر الانهيارات الأرضية.
ما الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيطالية؟
قامت السلطات بإجلاء السكان، فرض طوق أمني، وبدأت تقييمات جيولوجية وهندسية شاملة لتحديد مدى استقرار المنطقة.
هل سيتمكن السكان من العودة إلى منازلهم؟
سيُتخذ القرار بعد انتهاء الدراسات الفنية، وقد تُمنع العودة إلى بعض المناطق إذا ثبت استمرار الخطر.
هل يمكن تكرار هذه الانهيارات في مناطق أخرى من صقلية؟
نعم، خصوصًا في المناطق الجبلية أو التاريخية ذات البنية العمرانية القديمة، ما دفع إلى دعوات لوضع إستراتيجية وقائية طويلة الأمد.
اقرأ أيضًا: 700 ألف سعودي يقلعون عن التدخين في تحول صحي لافت بنهاية 2025

