
حبسة الكتابة.. حين تتأخر الكلمة
ملك الحازمي
نمرّ أحيانًا بفترات لا نستطيع فيها الكتابة، رغم أننا نعرف ما نريد قوله. الفكرة موجودة، والشعور حاضر، لكن الصفحة تبقى بيضاء. غالبًا ما يُساء فهم هذا التوقف ويُفسَّر على أنه تراجع أو فتور، بينما هو في حقيقته حالة تتكوّن بهدوء، ولا تظهر فجأة.
هذا التوقف، الذي نمرّ به كثيراً، يُعرف في علم النفس باسم حبسة الكتابة .(Writer’s Block) وهي حالة يتعطل فيها التعبير الكتابي رغم حضور الفكرة والشعور، دون أن يكون ذلك مرتبطاً بضعف في القدرة أو فقدان في الشغف. بعبارة أبسط، هي لحظة يتقدّم فيها الإحساس على اللغة، فيتأخر النص رغم امتلاء الداخل.
ومع الاقتراب من التجربة أكثر، يتضح أن حبسة الكتابة لا تعني العجز عن الكتابة، بقدر ما تعني أن التعبير لم يلحق بعد بما نشعر به. فحين تتراكم التجارب، ويزدحم الداخل بما لم يُفهم أو يُهضم بعد، تصبح البداية هي الجزء الأصعب. ليس لأن ما نريد قوله غير واضح، بل لأن الإحساس لم يجد بعد شكله اللغوي المناسب.
وفي علم النفس، لا يُنظر إلى حبسة الكتابة بوصفها خللاً أو تشخيصاً مرضياً، بل كحالة مفهومة في سياقها. تشير بعض المفاهيم المعرفية إلى أن تشبّع العقل بالأفكار والتجارب قد يعيق البدء، لا لقصور في المهارة، بل لفرط الامتلاء. كما توضّح دراسات في التنظيم الانفعالي أن بعض المشاعر تحتاج إلى وقت قبل أن تتحول إلى لغة، ما يجعل التوقف جزءاً طبيعياً من مسار الكتابة نفسه.
ومع الوقت، نلاحظ هذا بوضوح في مسارنا اليومي مع الكتابة. تظهر هذه الحالة غالبًا عند الشعراء والكتّاب، وكل من تربطه علاقة عميقة بالكلمة. أولئك الذين يفكّرون عبر النص، ويعبّرون بالكتابة، ويقيسون أفكارهم بالجملة قبل قولها. مع كثافة التجربة وتراكم الإحساس، يصبح التوقف أحياناً جزءاً من المسار، لا انقطاعاً عنه.
وليس غريباً، في هذه المرحلة نفسها، أن تتغير علاقتنا بالقراءة أيضاً. نفتح الكتب أو المقالات دون أن نكملها، لا لغياب الاهتمام، بل لأن الذهن لم يعد مستعداً لاستقبال أفكار جديدة قبل أن يهدأ مما فيه. هنا تتقاطع حبسة القراءة مع حبسة الكتابة، بوصفهما استجابتين لحالة ذهنية واحدة تبحث عن مساحة تنفّس.
وحين ننظر إلى تجارب الكتّاب، نجد أن هذه الحالة ليست استثناءً. فقد مرّ بها كتّاب كثر في الأدب العربي، كما في الأدب الغربي، رغم اختلاف السياقات الثقافية. كان نجيب محفوظ يرى أن الصمت أحياناً جزء من نضج الفكرة، بينما فضّل محمود درويش التوقف على كتابة لا تشبه إحساسه. وفي سياق مختلف، رأت فرجينيا وولف في الصمت مرحلة يعيد فيها العقل ترتيب نفسه قبل العودة إلى النص.
بعد هذا كله، يصبح السؤال أبسط وأوضح: كيف نعرف أننا نمرّ بحبسة كتابة فعلاً؟ غالباً لا تأتي بإشارة حادة، بل تتكوّن تدريجياً، من تردد يتكرر، وتأجيل للبداية، وكثرة تفكير دون كتابة، أو من إحساس بأن الكلمات حين تُكتب لا تعبّر بدقة عمّا في الداخل. في هذه اللحظة، لا يكون التوقف علامة فشل، بل اختياراًغير واعي لحماية النص من الاستعجال، والحفاظ على صدقه.
فحبسة الكتابة ليست انقطاعًا عن الكلمة، بل توقفًا مؤقتًا يعيد ترتيب العلاقة معها. وربما يكون التعامل الأهدأ معها هو الاعتراف بأنها جزء من التجربة الإنسانية للكتابة، لا عقبة في طريقها. أحياناً، لا يكون الصمت غياباً للصوت، بل تمهيداً لعودته بشكل أوضح وأصدق.
وفي النهاية، تبدو الرسالة أبسط مما نظن. إلى الشعراء والكتّاب، وكل من يعيش مع الكلمة بوصفها أداة تفكير وتعبير: لا تستعجلوا النص حين يتأخر، ولا تفسّروا الصمت كخسارة. وإلى القرّاء، لا تخشوا فترات الفتور المؤقتة، فالعلاقة مع الكلمة لا تُقاس بالاستمرارية وحدها، بل بعمق الاتصال.
بين الكاتب والقارئ مساحة إنسانية مشتركة، كلاهما يمرّ بالصمت، وكلاهما يعرف، في العمق، أن الكلمة الصادقة لا تأتي إلا حين يُسمح لها بذلك.
المصدر: سبق



