
صنايعية الجبر
محمود عبدالراضي
في زحام الحياة وضجيج صراعاتها التي لا تهدأ، نلتقي أحياناً بوجوه لا تشبهنا في شيء إلا في ملامح البشر، لكنها تحمل في صدورها “مجرات” من الرحمة وقلوباً تتسع للجميع دون قيد أو شرط.
هؤلاء هم سدنة الود، الذين جعلوا من أرواحهم مرافئ آمنة لكل غريب، وملاذاً لكل من أثقلت الدنيا كاهله، يوزعون المحبة كأنها رزق لا ينضب، ويغرسون السلام النفسي في دروبنا الموحشة، فتزهر من خلفهم بساتين من الأمل.
ما أحوجنا اليوم إلى تلك القلوب العامرة بالسكينة، التي لا تعرف لغة الكراهية ولا تجيد فنون الخصام، قلوب ترى في الود ديناً وفي جبر الخواطر فريضة لا تسقط.
هؤلاء البشر لديهم قدرة مذهلة على تحويل الألم الذي يعتصر الروح إلى أمل يضيء الأفق، لديهم تلك الكيمياء الخاصة التي تجعل من المحنة القاسية منحة ربانية، وكأنهم يمتلكون عصا سحرية تطوي مسافات الحزن، وتعيد تشكيل ملامح الانكسار لتصبح خطوطاً من القوة والشموخ.
إن فلسفة جبر الخواطر عند هؤلاء ليست مجرد كلمة طيبة أو ابتسامة عابرة، بل هي فن إدراك الوجع قبل أن ينطق به صاحبه، هي تلك اليد الحانية التي تمتد في الوقت المناسب لترمم ما تهدم من نفوسنا.
حين تجالسهم، تشعر بأن الدنيا ما زالت بخير، وأن ثقل الحياة يذوب في حضرة سلامهم النفسي الذي يفيض على من حولهم كالنهر الجاري.
هم لا يبحثون عن مغنم، ولا ينتظرون شكراً، فمكافأتهم الحقيقية هي تلك الرعشة الجميلة التي تصيب القلب حين يرى عيناً كانت باكية وهي تبتسم من جديد.
إنهم العملة النادرة في زمن الماديات الجافة، وهم الترياق الذي يشفي جراح المجتمع من الداخل، هؤلاء الذين يحبون الجميع ويقبلون الآخر بعلاته، يدركون يقيناً أن المحبة هي الجسر الوحيد الذي يمكننا من عبور أزماتنا بسلام.
ما أشد حاجتنا إليهم، أولئك الذين يحملون في قلوبهم شمساً لا تغيب، ووداً لا ينقطع، وجبراً للخواطر يحيي فينا الإنسانية كلما أوشكت على الذبول.
إنهم رسل السلام في أرض الصخب، ومستودعات المنح في زمن المحن، فسلام على تلك القلوب التي تجعل من حياتنا مكاناً يستحق العيش.
المصدر: اليوم السابع



