كُتاب الترند العربي

حين يصبح المستقبل شابًا

عبدالعزيز بن خالد العمران

لم يعد من الدقة النظر إلى التحولات الرقمية والاقتصادية بوصفها تطورًا تقنيًا محضًا، فالأرقام اليوم تقول بوضوح إن العالم لا يتغير فقط بأدواته، بل بأجياله فوفق تقرير قامت عليه مجموعة مؤثر المتخصصة في الاتصال بعنوان «نصف العالم شاب: كيف يعيد جيلا Z وAlpha تشكيل المشهد الرقمي والاقتصادي»، يشكّل هذان الجيلان ما يقارب نصف سكان العالم، وهو رقم غير مسبوق تاريخيًا، لا من حيث الكثافة الديموغرافية فحسب، بل من حيث عمق التأثير الاقتصادي والإعلامي والسلوكي الذي يرافقه.

نشأ جيل Z في بيئة رقمية متصلة، لكنه ما زال يحتفظ بقدر من الوعي النقدي تجاه المحتوى والمنصات، فيما يولد جيل Alpha داخل عالم رقمي أكثر تقدمًا، تصبح فيه الشاشات والأجهزة الذكية جزءًا من التكوين اليومي للوعي، لا مجرد أدوات استخدام، هذا الفارق الدقيق بين الجيلين لا يلغي القاسم المشترك بينهما، بل يعمّقه: كلاهما لا يتعامل مع الرقمنة كخيار، بل كواقع بديهي.

يشير التقرير إلى أن القوة الشرائية لهذين الجيلين تتجاوز مئات المليارات من الدولارات سنويًا، وهو ما يفسر التحول الجذري في استراتيجيات العلامات التجارية، ومنصات الإعلام، وحتى السياسات التعليمية، فالقرار الاستهلاكي لم يعد يُبنى على الإعلان التقليدي، بل على التفاعل، والتجربة، والثقة، وهي عناصر باتت تُصاغ داخل المنصات الرقمية لا خارجها.

لكن هذا التأثير المتنامي لا يخلو من تحديات فالتقرير يلفت إلى أن الدور المحوري للمؤثرين الرقميين في تشكيل قرارات الشراء والتعليم والترفيه لدى الجيلين، يرافقه تصاعد في مخاطر المحتوى المضلل، والإعلانات غير الشفافة، وتضارب المصالح، خصوصًا لدى الفئات الأصغر سنًا هنا، لا يعود السؤال عن حجم التأثير، بل عن مسؤولية توجيهه.

في السياق السعودي، تكتسب هذه التحولات بُعدًا إضافيًا فارتفاع نسبة الشباب، واتساع استخدام المنصات الرقمية، يجعل من جيلي Z وAlpha عنصرًا فاعلًا في صياغة مستقبل الاقتصاد الرقمي، والتعليم الإلكتروني، وصناعة المحتوى. وهو ما يستدعي انتقالًا واعيًا من منطق الاستهداف إلى منطق الفهم، ومن محاولة التأثير السريع إلى بناء علاقة طويلة المدى تقوم على الشفافية والقيمة.

ما يميز التقرير أنه لا ينظر إلى الجيلين بوصفهما سوقًا استهلاكية فحسب، بل كقوة تشكيل مستقبلية فالأجيال الشابة اليوم لا تكتفي بالتلقي، بل تشارك في إعادة تعريف المفاهيم: من التعليم، إلى العمل، إلى الثقة، إلى معنى العلامة التجارية نفسها وهي تحولات لا يمكن إدارتها بعقلية الأمس، ولا بأدوات تقليدية لم تعد تقرأ الواقع كما هو.

الخلاصة أن العالم لا يتجه فقط نحو الرقمنة، بل نحو تشبيب المستقبل. ومن لا يقرأ هذا التحول بعمق، سيكتشف متأخرًا أن نصف العالم قد تغيّر، بينما هو ما زال يخاطبه بلغة لم تعد تُقنع أحدًا.

المصدر: سبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى